متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٨ - ومن سورة البقرة
وقد قيل : إنه عز وجل لما خلّى بينهم وبين العمه ، عند تبقيتهم جاز أن يقال : ( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ، من حيث كان قادرا على أن يمنعهم ، فخلاهم فى ذلك.
وقد قيل : إنه وصفهم بذلك على العاقبة ، فكأنه [١] قال : يمدهم [٢] ومعلوم من حالهم أنهم فى طغيانهم يعمهون.
وقوله تعالى : ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ) وهو من تمام ما ضرب به من المثل [٣] ، أراد [٤] بذلك أنه لا يستنقذهم من الظلمة ، فأجرى وصف التّرك [٥] عليه ، والترك فى الحقيقة إنما يجوز على [٦] من يكف بفعل على فعل. وذلك يقتضى أن يكون الفعل يحله ويوجد فى أبعاضه ، والله يتعالى عن ذلك!.
٢١ ـ مسألة : « قالوا : وقد قال تعالى فى وصفهم : ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ... ) [٧] [١٨] وذلك يدل على أنهم ممنوعون من الإيمان ، وإلا لم يكن لذلك معنى!
والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أن المنافقين كانوا بهذه الصفات أو الكفار ، ومعلوم من حالهم أنهم كانوا بخلافه ، ولا شيء أدل على فساد المتعلّق بالظاهر من أن يعلم بالعيان خلافه ؛ لأن ذلك يوجب ضرورة صرفه إلى خلاف ظاهره.
والمراد بذلك : أنهم لما لم ينتفعوا بهذه الحواس والآلات فيما خلقت له ، وأنعم عليهم بها لأجله ، صاروا كأنهم « قد سلبوها [٨] ، وهذا يكثر فى اللغة أن يقول [٩] الواحد وقد بين لغيره الشيء وبالغ فيه : إنه أصم أعمى ، وقد طبع
[١] د : وكأنه. [٢] ف : ويمدهم. [٣] قال تعالى فيهم : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ) الآية ١٧. [٤] ف : وإن أراد. [٥] د : الشرك. [٦] ساقطة : من د. [٧] عبارة الأصل : قال : وقد قال بعضهم ( صم بكم عمى ) فى وصفهم. [٨] د : سلبوا. [٩] فى الأصل : تقول فى.