متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٦ - ومن سورة البقرة
المرض فى حكم الجزاء على ما فى قلبهم [١] من المرض ، مع أنهما جميعا من خلقه؟ وإنما [٢] يصح ذلك بأن يكون الأول من فعلهم ، والثانى على سبيل العقوبة من الله عز وجل لهم ، وكذلك نقول : إن المنافقين بتكذيبهم واعتقادهم أنه صلىاللهعليهوآله ، لا يجب أن تعتقد نبوته ـ ويظهر ذلك من حاله فى كل وقت ، مع مشاهدتهم لأحواله [٣] ـ أمرضوا قلوبهم ، فكان ذلك منهم معصية ، فعاقبهم الله عز وجل بالأمر الثانى ، ويبين ذلك أنه قال : ( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) ، ولو كان كل ذلك من خلقه فيهم ، لما جعل العذاب كالجزاء على فعلهم ؛ لأن المرض الذى ذكره أولا وثانيا ، والتكذيب الذى ذكره آخرا كله من خلقه فيهم ، فكيف يستحقون العذاب عليه ، على أنه عز وجل قد أضاف إلى المنافقين فى هذه الآيات من الأفعال والأقوال وذمهم بذلك ، فكل ذلك يبين أن نفاقهم من فعلهم.
٢٠ ـ مسألة : قالوا : قد قال تعالى : ( اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [١٥] فذكر أن الطغيان من فعله تعالى فيهم ، وأضاف الاستهزاء إلى نفسه ، وكل ذلك يبين ما نقوله : من أنه يخلق هذه الأفعال فيهم.
والجواب عن ذلك أن المخالف لا يجوّز على الله الاستهزاء فى الحقيقة ؛ لأنه لا يكون إلا قبيحا وذما ، ولا يصح إلا على من تضيق به الأفعال ، فإذا احتال وفعل الضرر بغيره « من حيث لا يشعر [٤] وعلى وجه مخصوص ، وصف بذلك ، ويستحيل ذلك على الله عز وجل ، وإنما أراد أنه يعاقبهم على ما وقع منهم من الاستهزاء بالرسول صلّى الله عليه لأنه قد ثبت فى اللغة أنه قد يجرى
[١] فى د : قلوبكم. [٢] ف : فانما. [٣] كذا عبارة الأصل ، والمعنى : مع ظهور حاله فى صدق ادعاء النبوة ، ومشاهدتهم لهذه الحال الصادقة. [٤] ساقطة من د.