متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥١٠ - ومن سورة الحج
يقتضيه الظاهر ، وهو الصحيح. وكذلك قوله تعالى : ( وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ ) يعنى : خلقناها وبينا وعرّفنا وأشعرناكم العبادة التى عليكم فيها ، فخلقها من قبله ، وهو الذى جعلها من الشعائر بالبيان والإظهار ، وإن كان النحو من فعلنا ، فلا تعلق للقوم فى ذلك.
٤٨٧ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يفعل فى العباد محاربة الغير ومدافعته فقال : ( وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) [١].
والجواب عن ذلك : أن ظاهر قول القائل : إن فلانا دفع فلانا بفلان لا يقتضى أن ذلك الفعل وذلك الدفع من قبله ، وإنما يقتضى أن له فيه مدخلا ؛ إما بالأمر والتزيين ، وإما بالإلجاء.
فلما كان تعالى دفع عادية الكفار وأذيتهم بالمؤمنين ، من حيث قمعوهم وأذلوهم ومنعوهم من الإقدام على إذلال الإسلام ، جاز أن يقول تعالى هذا القول مبينا بذلك أنه لو لا تعبده لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد.
٤٨٨ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه لا رسول إلا والشيطان يتسلط [٢] ، فقال : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ، فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) [٣].
فبين أنه تعالى يجعل ما يلقى الشيطان « فتنة وفسادا [٤] : ولو لا أنه من قبله لما صح ذلك.
[١] من الآية : ٤٠. [٢] د : يسلطه. والمعنى : يتسلط عليه. [٣] الآية : ٥٢ ومن الآية : ٥٣. [٤] ف : فتنة للذين فى قلوبهم مرض وفساد.