متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٣٧١ - من سورة براءة
على أنهم لا يؤمنون إذا تقدمت وهى صدق وحق ، فالمعلوم أنهم لا يؤمنون ، وليس فيه أنهم لا يقدرون على الإيمان ، أو لا يجدون السبيل إليه [١].
٣٣٣ ـ وقوله تعالى من بعد : ( وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) [٩٧] يدل على أنه لا لطف [٢] لهم ، وأن المعلوم من حالهم أنهم يكفرون على كل حال.
وفيه دلالة على أنه لو كان فى المعلوم لطف لكان سيفعله ، على ما نقوله.
٣٣٤ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه لم يرد الإيمان من الكفار ، فقال : ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) [٩٩] ولو كان قد أراد الإيمان من الكل ، لم يصح أن ينفى ذلك بهذا القول.
والجواب عن ذلك ، أنا قد بينا أن نفى المشيئة لا يدل على أنه لم يشأ على كل حال ؛ لأنه قد يشاء الإيمان على وجهين هما كالمتنافيين ، فليس فى النفى ما يدل على العموم ، فإذن يجب أن ينظر فى المشيئة المنفية ما هى ، بضرب من الدليل ، وذلك يبطل تعلقهم بالظاهر!
وقد بينا أن المراد بذلك أنه لو شاء أن يكرههم ويلجئهم إلى الإيمان لآمنوا أجمع [٣] ، ودل على أن هذا هو المراد بقوله تعالى آخرا : ( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [٤] منبها بذلك على أنه المقتدر على ذلك دون الرسول عليهالسلام ، وأن شدة محبة الرسول فى ذلك لا تنفع إذا هم لم يؤمنوا اختيارا.
[١] انظر الفقرة : ٣٢١. [٢] د : لا يغفر. [٣] انظر الفقرة : ٨٠ والفقرة : ١٩٥. [٤] تتمة الآية السابقة : ٩٩