متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٣١٧ - ومن سورة الانفال
الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ـ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) [ ١٥ ـ ١٦ ] يدل على ثبوت الوعيد فى فسّاق أهل الصلاة ، لأن المعلوم أن الذى يلقى الكفار بالمحاربة لا يكون إلا من المصدقين بالرسول صلّى الله عليه وسلم ، وقد أزال الله تعالى الشبهة فى ذلك بقوله : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) وبين أن من يولهم دبره بالهزيمة فقد استحق النار والغضب ، وبين أن من ولاهم دبره متحرفا لقتال عادلا من جهة إلى جهة ، لظنه بأنه أقرب إلى الظفر فذلك مباح ، وكذلك من ولاهم دبره متحيزا إلى فئة مقويا لها ومتقويا بها ، ليكون إلى الظفر أقرب ، لا يكون منهزما.
وبين تعالى أنه إذا ولّى القوم الدبر ـ لا على هذا الوجه ـ أن الوعيد لا حق بهم.
وقوله : ( وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ ) دلالة على أن كونه فى النار مؤبد ؛ لأنه لو كان فيها أوقاتا ثم يكون فى الجنة لم يجز أن يطلق القول بأن مأواه جهنم ، فيجعل مأواه ما ينقطع ولا يجعل مأواه ما يدوم كونه فيها.
وقوله : ( وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) يدل على أن مصير أمره لا يكون إلى دخول الجنة ؛ لأنه لو كان كذلك لم يصح هذا الإطلاق.
٢٧٧ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الفاعل لتصرف العبد وكسبه ، فقال : ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى ... ) [١٧] فأضاف قتلهم ورميهم إلى نفسه.
والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يقتضى أنه تعالى هو الذى قتل