متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٧٨ - ومن سورة الأعراف
والجواب عن ذلك : أنه بين من حالهما أنهما أقدما على ما نهاهما عنه ـ وإن كان ذلك عند ذهابهما عن الاستدلال ـ على طريق التعمد ؛ لأنهما لم يتناولا مما أشير إليه بالتحريم ، لكنهما دلاّ على أن المراد الجنس فظناه العين ، وكان الواجب عليهما أن يستدلا بما نصب من الدليل ، فيعرفا المراد به ، فلما ذهبا عن ذلك ، وأقدما على الأكل منه ، كانا ظالمين لأنفسهما ؛ لأنهما حرماها بعض ما حصل لهما من الثواب ، والمفوت [ على ] نفسه المنافع كالجالب إليها المضار ، فى أنه يوصف بأنه ظالم لنفسه ، ولذلك نسبا أنفسهما إلى الظلم ، ووصف الظالم بأنه ظالم ليس بذم ؛ لأنه يجرى على طريق الاشتقاق ، ولذلك قالت العرب : هو أظلم من حية ، وإن لم يصح فيها الذم ، وإذا أريد به الذم صار منقولا ، ويخالف وصف الفاسق بأنه فاسق ؛ لأن ذلك وضع للذم فى الشرع ، ولذلك متى استعمل فى الذم استعمل على خلاف طريقته فى اللغة ، وليس كذلك [١] وصف الظالم بأنه ظالم ، فلا يدل ذلك على أنهما أقدما على كبير واستحقا الذم.
وقولهما : ( وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) محمول على
ـ حزم أن أكثرهم لا يستثنون من ذلك إلا الكذب فى التبليغ. وذهب ابن فورك الأشعرى إلى أن الأنبياء لا يجوز عليهم كبيرة أصلا ، وجوز عليهم مع من تابعه فى ذلك الصغائر بالعمد ، قال ابن حزم : ( وذهبت جميع أهل الإسلام ، من أهل السنة ، والمعتزلة ، والنجارية ، والخوارج ، والشيعة ، إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبى أصلا معصية بعمد ، لا صغيرة ولا كبيرة ). وقال الرازى : ( والذى نقول : إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون فى زمان النبوة عن الكبائر والصغائر بالعمد ، أما على سبيل السهو فهو جائز ).
مقالات الإسلاميين : ١ / ٢١٣. الفصل : ٣ / ٢. عصمة الأنبياء للرازى ص : ٤.
وانظر فيه : عصمة آدم عليهالسلام ، ص : ١١ فما بعدها.
[١] ساقطة من د.