متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢١٤ - ومن سورة النساء
١٨٠ ـ دلالة : وقوله تعالى : ( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ... ) [١٧٢] مما اعتمده شيوخنا رحمهمالله فى أن الملائكة أفضل من عيسى ؛ لأن الاستنكاف هو الأنفة ، ولا يجوز فى اللغة أن يقول الإنسان : إن فلانا لا يأنف من خدمتى ولا فلان ، إلا والمذكور الثانى أفضل حالا [١] من الأول وأشهر فضلا منه [٢] فى الوجه المقصود إليه. وهو تعالى إنما ذكر أعظم الأحوال فى باب الفضل الواقع بالطاعات دون غيره من الأحوال.
وقوله تعالى : ( وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) مع أن قرب المكان يستحيل فيهم ، يدل على أنه أراد فضلهم وعظم ما لهم فى ذلك ، فإذا صرح بذكره كان الأولى أن يحمل الكلام عليه ، وإذا صح أنهم أفضل من عيسى فكذلك من سائر الأنبياء بالإجماع [٣].
[١] ساقطة من د. [٢] ساقطة من ف. [٣] اختلف في تفضيل الملائكة على الأنبياء ، فقال جمهور الأشعرية بتفضيل الأنبياء على الملائكة ، وأجاز بعضهم أن يكون في المؤمنين من هو أفضل من الملائكة ، ولم يشر بذلك إلى واحد بعينه ، كما يقول البغدادى. وذهب أكثر المعتزلة ـ كما ينقل البغدادى كذلك ـ إلى أن الملائكة أفضل من الأنبياء (حتى فضلوا زبانية النار على كل نبى )! (وزعم آخرون منهم أن من لا معصية له من الملائكة أفضل من الأنبياء ) ويبدو أن هذا الزعم عندهم ليس بشيء ؛ حتى نقل صاحب المقالات إجماعهم على أن لملائكة أفضل من الأنبياء. أما الإمامية فزعموا أن الأئمة أفضل من الملائكة. ولهذا كان لا بدلهم أن يقولوا بتفضيل الأنبياء على الملائكة ، سواء أكان ذلك من باب أولى ، أو من باب الاضطرار ، وقد أجمعوا على ذلك كما يقول المرتضى ، الذى مال في هذه المسألة إلى جانبه الشيعى ، فتولى عرض حججه وحجج قومه ، كما فند أدلة المعتزلة ، ومنها الآية التى يستدل القاضى بها فى هذه السورة.
انظر الأشعرى : مقالات الاسلاميين ؛ ١ / ٢٧٢. البغدادى : أصول الدين ص ٢٩٥ الفرق بين الفرق ، ص : ٣٤٣. أمالى المرتضى : ٢ / ٣٣٣ ـ ٣٣٩.
وانظر فى نقض كلام القاضى هنا ، والرد عليه وعلى الزمخشرى ، من الناحية اللغوية والبلاغية ومن وجوه أخرى : فتح البارى لابن حجر : ١٣ / ٣٣٠ ـ ٣٣١.