متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٦٨ - سورة آل عمران
فيهم لم يصح أن يكون مبتليا لهم به ؛ لأن ذلك انما يصح فى الألطاف التى يختار المؤمن عندها [١] الطاعة دون غيرها.
وقوله تعالى من بعد : ( وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ) يدل على أنهم عصوا ، ولو كان انصرافهم عن الكفار من فعله تعالى لم يكن للعفو معنى.
ثم بين تعالى أن له الفضل على المؤمنين على كل حال ؛ لأنه إذا عفا عمن عصى منهم ، وأثاب من لم يعص ، فقد شملت نعمته الكل.
١٣٤ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه تعالى فعل فى المؤمنين الهزيمة يوم أحد فقال : ( فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍ ) [١٥٣].
والجواب عن ذلك : أن هذا الكلام لا ظاهر له. فإنما يدل على أنه تعالى ألحقهم غما بغم ، وليس للأفعال فيه ذكر ، وليس فعلهم هو الغم بنفسه ، وتسمية الغم إثابة مجاز فيما يعلم بالتعارف. وقوله تعالى ( غَمًّا بِغَمٍ ) لا بد فيه من اتساع. وما هذا حاله لا يصح التعلق بظاهره.
والمراد بذلك : أنه تعالى ألحق قلوبهم غما بعد غم ، « وكرر ذلك عنهم عند [٢] فشلهم ومعصيتهم ؛ لأنه تعالى إنما يضمن لهم النصرة بشرط استمرارهم على الطاعة ، فلما خالف بعضهم أمر الرسول صلّى الله عليه رغبة فى الغنائم ألحقهم الغموم لما علم من الصلاح ، ولما تكرر الغموم وعاقب بعضها بعضا جاز أن يقول غما بغم وأراد : غما مع غم « وبعد غم [٣] وهو فى باب الدلالة على كثرته وتضاعيفه آكد من سائر ما ذكرناه من الألطاف.
[١] د : عنده. [٢] د : وكرر عليهم ذلك عند. [٣] ساقط من د.