متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٢٥ - ومن سورة البقرة
العقاب بخلاف ما يظنه بعضهم أنه إذا لم ينضف إليها فعل الجارحة لم يؤاخذ المرء عليها. ولو قلبت القضية على القوم فقيل : إن أفعال القلوب نؤاخذ بها ؛ لأنها إذا انفردت استحق الذم. ولو انفرد فعل الجارحة عن فعل القلب ـ حتى لا يكون به عالما ولا إليه قاصدا لم يستحق ذلك ـ لكان أقرب. وأفعال الجوارح تفتقر إلى أفعال القلوب فى تعلق المدح والذم بها ، وأفعال القلوب لا تفتقر إليها فى ذلك فكيف يصح ما قالوه؟ [١].
وما روى عن النبى صلّى الله عليه أنه قال : « إن الله عز وجل تجاوز لأمتى عما حدثت به نفسها ما لم تعمل به ) [٢] ، لا يصح لهم التعلق به فى ذلك ؛ لأن ظاهره إنما يقتضى أنه قد تجاوز عن أمته فى أمر مخصوص ، وهو حديث النفس. فالظاهر إنما يريد به الخبر دون الإرادة والاعتقاد ، ولا يؤاخذ الإنسان بأن يتصور الشيء ويتصور الخبر عنه.
ويحتمل أن يراد بذلك الخواطر التى تخطر من قبل الغير ، لأن ذلك قد يوصف بأنه حديث النفس ، ولذلك قال : « ما لم تعمل به ». ولو كان الأول عملا لما اتسق ظاهر الكلام.
ويحتمل أن يريد به : تجاوز عن ذلك ؛ لأن المعلوم أنه يقع فى حكم الصغائر إذا لم ينضم إليه المعاصى ، ولو كان من الباب الذى لا يؤاخذ به لم يكن لقوله « تجاوز عن أمتى » معنى ؛ لأن ذلك إنما يصح فى المعاصى التى عرض فيها ما يقتضى التجاوز عنها. ولو لا العارض لكان فاعلها مؤاخذا بها وهذا بين [٣].
[١] فيما ذكره القاضى هنا إيضاح وشرح لما أوجزه في الفقرة (٩٣). [٢] حديث صحيح رواه أبو هريرة مرفوعا ( فتح البارى ١١ / ٢٧٥ ). [٣] راجع فتح البارى : ١١ / ٢٧٤ ـ ٢٧٥.