متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١١٨ - ومن سورة البقرة
فيمن يتحمل المشقة المؤذنة بالمخوف : [١] « ليس من البر الصيام فى السفر ) [٢].
ومن وجه آخر ، وهو أنه تعالى إذا امتن علينا بأنه لا يريد بنا العسر الذي هو تحمل المشقة بالصوم : رحمة بنا ورأفة ، فكيف يجوز أن نتصور أنه يريد مع ذلك بالعبد أن يكفر ويخلد بين أطباق النيران؟. ولو أن أحدنا أقبل على ولده فقال : لا أريد منك مع إشفاقى عليك أن تنصرف فى أيام القيظ ، لم يجز أن يتصور مع ذلك أنه يريد أن يعذبه بالنار ، وهذا مما يأباه العقل!.
ويمكن أن يستدل بظاهر الآية فيقال : إنه تعالى أطلق الكلام فقال : ( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) وإن كان عقيب ذكر الصوم. ولا يجب فى الكلام المطلق المستقل بنفسه أن يحمل على سببه [٣] ، وإطلاقه يقتضى أنه تعالى لا يريد بنا العسر على كل وجه. ولو أراد الكفر والمعاصى لكان قد أراد ذلك ؛ لأنه أعظم ما يوصف بذلك ، لأن العسر هو الذى يضرّ ، أو يؤدى إلى مضرّة عظيمة ، وليس فى جملة الأفعال أعظم فى هذا الباب من الكفر.
[١] ف : الخوف. [٢] سقط من د قوله : (من البر ). والحديث فى البخارى من رواية جابر بن عبد الله رضى الله عنه ، بلفظ : ( ليس من البر الصوم فى السفر ). قال جابر : كان رسول الله صلى عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه ، فقال : ما هذا؟ فقالوا : صائم ، فقال : ( ليس من البر ... ) الحديث. صحيح البخارى في كتاب الصوم : ٣ / ٣٤ ، طبع بولاق وأخرجه مسلم برواية جابر ، من طريق واحد ، بلفظ : ( ليس البر أن تصوموا في السفر ) مسلم بشرح النووى : ٧ / ٢٣٣ ، الطبعة الأولى ١٣٤٧. ورواية المؤلف ذكرها أبو عيسى الترمذى في جامعه ، وقال : حديث جابر حسن صحيح الترمذى بشرح ابن العربى : ٣ / ٢٣١ ، الطبعة الأولى ١٣٥٠ مصر. [٣] في د : تسببه ، وانظر ما استدل به القاضى على : ( أنه تعالى يريد جميع ما أمر به ورغب فيه من العبادات ، وأنه لا يريد شيئا من القبائح بل يكرهها ) المغنى : ٦ المجلد الثانى ٢١٨ ـ ٢٥٥ ، حيث جاءت الآية المذكورة دليله الثالث عشر على هذا ، ص : ٢٤٨ ـ ٢٤٩.