متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١١٧ - ومن سورة البقرة
مِسْكِينٍ [١] فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [٢]) فبين تعالى بذلك أن من أطاق ذلك فعليه الفدية ، فلا يخلو من أن يريد : من أطاقه وفعله [٣] ، أو من أطاقه فلم يفعله. وقد علمنا أن فاعل الصوم لا فدية عليه ، فالمراد هو الثانى ، وذلك يدل على أن من لا يصوم قد يطيق الصوم ، وهذا يدل على أن القدرة [٤] قبل الفعل ، وأن العاصى يقدر على الإيمان.
وقوله تعالى : ( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ) يدل على أنه متمكن من أن يفعل الصوم وإن لم يفعله وعدل عنه إلى الفدية ، ولذلك قال بعده : ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) ومن لا يمكنه إلا الصوم لا يصح أن يوصف بذلك.
٦١ ـ دلالة اخرى : وقال تعالى : [٥] ( وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) [٦] فبين « عز وجل أنه [٧] لا يريد العسر « الذى يحتمل المشقة فى الصوم [٨] ، وأنه يريد اليسر الذى هو الإفطار. وقد علمنا أن فى الناس من يتحمل المشقة ويفعل الصوم ، وقد بين تعالى أنه لا يريد ذلك. فذلك يدل على أن فى أفعال العباد ما لم يرده تعالى إذا لم يكن طاعة ، ولهذا ، قال صلّى الله عليه ،
[١] فى النسختين : مساكين. [٢] من الآية ١٨٤ ، وتتمتها : ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ). [٣] د : فعله. [٤] فى د : الفدية. وانظر : الفقرة ١٣. [٥] د : عز وجل. [٦] من الآية ١٨٥ ، وفى النسختين : فمن كان. وفى : ف ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ). [٧] د : أنه عز وجل. [٨] د : الذى هو تحمل المشقة ويفعل الصوم.