الطّراز الأوّل - ابن معصوم المدني - الصفحة ٤١٨
( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) [١]. وسجودُ الظِّلالِ وانقيادُها عبارةٌ عن تصُّرفِها على مشيئَتِهِ ، وتَأَتِّيها لإِرادتِهِ في الامتدادِ والتّقلُّصِ والفيءِ والزَّوالِ ، وتخصيصُ الوقتين ؛ لغايةِ ظهورِ ذلك فيها.
أو المرادُ حقيقةُ السُّجُودِ ، والمعنى : حَقَّ له أَن يَسجُدَ لأَجلِهِ المُكلَّفين منَ الثَّقَلَين ، فعبَّرَ عن الوجوبِ بالوقوعِ.
وأَمَّا سُجودُ الظِّلالِ فلا يَبعُدُ أَنْ يَخلُقَ اللهُ له أَفهاماً يَسْجُدُ بها له ؛ كما جَعَلَ للجبالِ أَفهاماً فاشتَغَلَت بتَسْبِيحِهِ ، فظِلُّ المؤْمنِ يَسْجُدُ للهِ طَوْعاً وهو طائِعٌ ، وظِلُّ الكافرِ يَسْجُدُ لغيرِ اللهِ كَرهاً ويَسْجُدُ للهِ طَوْعاً ، وتَخصيصُ انقيادِ العُقلاءِ بالذِّكرِ ؛ لأَنَّهم العُمْدَةُ ، وإِذا كان هذا شأنُ العُقلاءِ فغَيرُهُم أَولى.
( رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ )[٢] خاضِعين ، أَو واقِعين على الأَرضِ أَو واضِعين جَبَاهَهُم عليها ؛ على أَنَ لهم صوراً ، وأُجريت الكواكبُ مُجرى العُقَلاءِ في عَوْدِ الضَّميرِ إِليها ؛ لوضفِها بوصفِهم ، وهو السُّجُودُ ، وعندَ الفلاسفَةِ هم أَحياءٌ ناطِقةٌ ، فلا حاجةَ إِلى العُذرِ ؛ وهو سُجُودُ تواضعٍ لا عبادةٍ.
( وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً )[٣] تَحِيَّةً ؛ إِذ كان السُّجُودُ إذ ذاكَ جارياً مُجرى التَّحيَّةِ ، كما تقدَّم آنفاً في السُّجُودِ لآدمَ.
( وَأَدْبارَ السُّجُودِ )[٤] أَعقابَ الصّلواتِ ؛ فإِنَّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ يُعَبَّرُ بهما عن الصَّلاةِ ، أَو معناهُ عندَ انقضاءِ وقتِ السُّجُودِ.
( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى ) [٥] هو مَسْجِدُ قُبا ، أَسَّسَهُ رسولُ الله ٩ لمّا قَدِمَ المدينةَ ، وصلَّى فيه أَيَّامَ مُقامِهِ بقُبا ،
[١] آل عمران : ٨٣. [٢] يوسف : ٤. [٣] يوسف : ١٠٠. [٤] ق : ٤٠. [٥] التّوبة : ١٠٨.