الطّراز الأوّل - ابن معصوم المدني - الصفحة ٣١٣
الحقيقةِ والآخَرُ على الظَّاهرِ ؛ كما هو شأنُ أَهلِ النِّفاقِ ، وكما يوجدُ بعضُ المؤمنين يُخالِطُ بعضَ الكفرةِ ويُعاشرُهُم ؛ لغَرَضٍ دنيويٍّ ضروريٍّ.
( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) [١] خَلَقْناهُ وأَنْشأْناهُ ، كقَولِهِ : ( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ) [٢] وقيلَ : نَزَلَ آدمُ ومعَهُ خمسةُ أَشياءَ من الحَديدِ : السَّندانُ ، والكَلْبَتانِ ، والمِيقَعَةُ ، والمِطرَقَةُ ، والإِبرَةُ. وعن النّبيِّ ٦ : ( أَنْزَلَ أَرْبَعَ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ إِلى الأَرْضِ ، أَنْزَلَ الحَدِيدَ ، والمَاء ، وَالنَّارَ ، وَالمِلْحَ ) [٣].
ومعنى : ( فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) أَنَّ آلاتِ الحربِ تُتَّخَذُ منه ، ومنافعُهُ للنّاسِ ظاهرةٌ ؛ إِذ لا صَنعَةَ إِلاَّ والحَدِيدُ أَو ما يُعَملُ بالحَدِيدِ آلتُها.
( فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ )[٤] أَي رَفَعنا عنك حِجابَكَ الَّذي هو عبارةٌ عن الاشتغالِ بعالمِ المحسوساتِ وقَصْرِ النَّظَرِ عليه ، فبَصَرُكَ اليومَ نافذٌ ؛ لزوالِ المانِعِ للإِبصارِ بقطعِ العلائِقِ الحِسِّيَّةِ.
الأثر
( إِنَّ اللَّمَمَ مَا بَيْنَ الحَدَّيْنِ : حَدِّ الدُّنْيا وحَدِّ الآخِرَةِ ) [٥] أَي الذَّنبَ المعفُوَّ عنه المستثنى في القرآنِ ما لم يُوجِب حَدَّاً في الدُّنيا ـ وهو أن لا يكونَ كالسِّرقةِ والزِّنا ـ ولا عذاباً في الآخرةِ ، بأَن لا يكونَ كعُقُوقِ الوالدَينِ ، وأَكْلِ الرِّبا.
( الحِدَّةُ تَعْتَري خِيارَ أُمَّتِي ) [٦] أَرادَ بها الصَّلابَةَ في الدِّينِ ، والخُشونَةَ في ذاتِ اللهِ ، ومنه :
( خِيارُ أُمَّتِي أَحِدَّاؤُها ) [٧] وهو
[١] الحديد : ٢٥. [٢] الزّمر : ٦. [٣] مجمع البيان ٥ : ٢٤١ ، تفسير القرطبي ١٧ : ٢٦٠. [٤] ق : ٢٢. [٥] جامع البيان ٢٧ : ٩٠ / ٢٥٢٢٠ ، النّهاية ١ : ٣٥٢. [٦] مسند أبي يعلى ٤ : ٣٣٧ ، النّهاية ١ : ٣٥٢. [٧] الفائق ١ : ٢٦٥ ، النهاية ١ : ٣٥٣.