الطّراز الأوّل - ابن معصوم المدني - الصفحة ٢٣٩
الكتاب
( كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ) [١] بكسرِ العينِ ، أَي هَلَكَتْ ، وقرأَ السُّلَمِيُّ بضمِّها [٢] اعتباراً لمعنى مطلقِ البُعدِ ؛ كما يقال : ذَهَبَ ومَضَى في معنى الموت ، أَو بُعْداً لهم مِن رحمةِ اللهِ كما بَعُدَت ثَمُودُ منها.
( وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) [٣] أَي هلاكاً لهم ، وفائدةُ الدّعاءِ عليهم بذلك ـ بَعْدَ هلاكِهِم ـ الدّلالةُ على أَنَّهم كانوا أَهلاً له ؛ كقوله :
| إِخْوَتي لا تَبْعَدُوا أَبَداً |
| وبَلَى واللهِ قَدْ بَعِدُوا [٤] |
( رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا ) [٥] طَلَبوا أَن يجعلَ بينهم وبين الشّامِ مفاوِزَ ؛ ليركبوا الرّواحِلَ فيها ويَتزوَّدُوا الأَزْوادَ ، وذلك حين بطروا النِّعمةَ ، وسَئِمُوا طيبَ العيشِ ، وملَّوا الدَّعَةَ والرَّاحةَ ، فطَلَبوا الكدَّ والتّعبَ ؛ كما طلبَ [٦] بنو إسرائيلَ الثُّومَ والبَصَلَ مكانَ المَنِّ والسَّلْوَى.
( فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) [٧] أَي في ضلالٍ عن الحقِّ مُتناهٍ في البُعْدِ يَصعُبُ الرّجوعُ فيه إِلى الهُدَى ؛ كمَن ضَلَّ عن محجَّةِ الطّريقِ بُعداً مُتناهِياً.
والبُعْدُ في الحقيقةِ للضّالِّ ؛ لأَنَّه المتباعِدُ عن الطَّريقِ ، إِلاَّ أَنَّه وَصَفَ به فِعلَهُ مجازاً للمبالغةِ ؛ كجَدَّ جَدُّهُ.
أَو المرادُ في ضلالٍ ذي بُعْدٍ ، أَو فيه بُعْدٌ ؛ لأَنَّ الضَّالَّ قد يَضِلُّ عن الطَّريقِ مكاناً قريباً وبعيداً.
( وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ )[٨] أَي ما تلك الحجارةُ من كلِّ ظالمٍ ببَعيدٍ ، أَي بشيءٍ بَعيدٍ أَو بمكانٍ بَعيدٍ ؛ لأَنَّها وإِن كانتْ في السَّماءِ على بُعْدِها إِلاَّ أَنَّها
[١] هود : ٩٥. [٢] الكشّاف ٢ : ٤٢٥ ، البحر المحيط ٥ : ٢٥٧. [٣] هود : ٤٤. [٤] هو لفاطمة الخراعية ، كما في شرح ديوان الحماسة للتّبريزى ٢ : ١٩٠. [٥] سبأ : ١٩. [٦] في « ت » و « ش » : طلبوا. [٧] ابراهيم : ٣ ، ق ٢٧. [٨] هود : ٨٣.