حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٥٢ - الخلفية التأريخية
الاقتصادية، بحيث راح الإنتاج العائلي يتخطّى احتياجات الاسرة السنوية، ومن ثمّ خرج الاقتصاد من صورته المعيشية البدائية واستبدل بالاقتصاد التبادلي. على أرضية هذا التحوّل والتكامل في المسار الاقتصادي برزت ظاهرة الكنز. فمع ظهور عنصر المبادلة صار بمقدور كلّ اسرة أن تنتج من السلع ما يزيد عن حاجتها وأن تبادر إلى تبادل البضاعة مع الآخرين، وقد كان يحصل أحيانا بعد المبادلة ازدياد في مجموع إنتاج الاسرة ودخلها عن مقدار ما تستهلكه.
لادّخار الفائض الاقتصادي الذي تحقّقه الاسرة بين ما تنتجه وما تستهلكه، كان هناك طريقان لا ثالث لهما؛ فإمّا أن يعاد الفائض إلى عجلة الإنتاج مجدّدا بصيغة ثروة، وعندئذٍ فإنّ الازدياد الدائم في ثروة أصحاب الفائض الاقتصادي وإن كان يؤدّي إلى وجود الاختلاف الطبقي، إلّا أنّه يفضي إلى تنشيط الفعّاليات الاقتصادية، وازدهار حركة الإنتاج بشكل عامّ.
أمّا الطريق الثاني فكان يتمثّل بتحويل الفائض إلى بضاعة بحجم أصغر لكن بقيمة اقتصادية أكبر، يمكن الحفاظ عليها وادّخارها.
إنّ المال الذي يدّخر بهذه الصيغة ويخرج عن مدار الحركة الاقتصادية ويكون بعيدا عن متناول الناس واستفادتهم، هو الذي اكتسب عنوان" الكنز". ومن ثمّ فقد وُضعت هذه المفردة للمال المتراكم الذي لا يأخذ موقعه في عجلة الإنتاج، ويفضي إلى بروز الاختلاف الطبقي في المجتمع.
الكنز من جهة كونه تراكما للمال وخزنا له هو كالاحتكار، لكن مع فارق في المفهومين؛ فالغرض من الخزن في الاحتكار هو المبادرة إلى البيع بعد غلاء السلعة، ولذلك هناك أهمّية خاصّة للسلعة بالنسبة إلى المحتكر، وخصوصية السلعة هي محطّ نظر المحتكر. أمّا في الكنز، فلمّا كان هدف تراكم الثروة وخزنها هدفا ماليّا، فسيتضاءل عنصر خصوصية السلعة، ويتمّ التركيز أكثر على عنصر التمحّض المالي.