حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٥٦٦ - ٤٥/ ١ مواعظ الخضر لموسى
ويا موسى، وَطِّنْ نَفسَكَ علَى الصَّبرِ تَلقَ الحِلمَ، وأشعِرْ قَلبَكَ التّقوى تَنَلِ العِلمَ، وَرُضْ نَفسَكَ علَى الصَّبرِ تَخلُص مِن الإثمِ.
يا موسى، تَفَرَّغْ للعِلمِ إن كُنتَ تُريدُهُ؛ فإنّ العِلمَ لِمَن تَفَرَّغَ، ولا تَكُونَنَّ مِكثارا بالنُّطقِ مِهذارا[١]؛ فإنَّ كَثرَةَ النُّطقِ تَشينُ العُلَماءَ، وتُبدي مَساوِيَ السُّخَفاءِ، ولكنْ علَيكَ بالاقتِصادِ؛ فإنَّ ذلكَ مِن التّوفيقِ والسَّدادِ، وأعرِضْ عنِ الجُهّالِ وباطِلِهِم، واحلُمْ عنِ السُّفَهاءِ؛ فإنَّ ذلكَ فِعلُ الحُكَماءِ وزَينُ العُلَماءِ، إذا شَتمَكَ الجاهِلُ فاسكُتْ عَنهُ حِلما وحَنانَةً وحَرِما،[٢] فإنّ ما بَقِيَ مِن جَهلِهِ علَيكَ وشَتمِهِ إيّاكَ أعظَمُ وأكبَرُ.
يابنَ عِمرانَ، ولا تَرى أنّكَ اوتِيتَ مِن العِلمِ إلّا قَليلًا، فإنّ الاندِلاثَ والتَّعَسُّفَ مِن الاقتِحامِ والتَّكلُّفِ.
يابنَ عِمرانَ، لا تَفتَحَنَّ بابا لا تَدري ما غَلقُهُ، ولا تُغلِقَنَّ بابا لا تَدري ما فَتحُهُ.
يابنَ عِمرانَ، مَن لا يَنتَهي مِن الدُّنيا نَهمَتُهُ[٣] ولا يَنقَضي مِنها رَغبَتُهُ كَيفَ يَكونُ عابِدا؟! ومَن يُحَقِّرْ حالَهُ ويَتَّهِمُ اللّهَ فيما قَضى كَيفَ يَكونُ زاهِدا؟! هَل يَكُفُّ عَنِ الشَّهَواتِ مَن غَلَبَ علَيهِ هَواهُ؟! أو يَنفَعُهُ طَلَبُ العِلمِ والجَهلُ قَد حَواهُ؟! لأنّ سَفرَهُ إلى آخِرَتِهِ وهُو مُقبِلٌ على دُنياهُ.
ويا موسى، تَعَلَّمْ ما تَعَلَّمتَهُ لِتَعمَلَ بهِ، ولا تَتَعَلَّمْهُ لِتُحَدِّثَ بهِ، فيَكونَ علَيكَ بُورُهُ
[١] مهذار: أي كثير الكلام.( النهاية: ج ٥ ص ٢٥٦).
[٢] كذا في المصدر، والظاهر أنّ الصحيح" حَزما".
[٣] النَّهْمَة: بلوغ الهِمّة في الشيء( النهاية: ج ٥ ص ١٣٨).