شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٥٥٩
النّائم إلى زمن الاستيقاظ إلى الواقع الّذي رآه النّائم خالصةً عن كلّ الضمائم، هذا هو التّأويل في القرآن الكريم .
وأمّا التّأويل بمعنى صرف الكلام عن ظاهره، إلى خلافه، فهو مصطلح حديث بين العلماء لا يمت إلى القرآن بصلة، فكلّ من زعم أنّ التّأويل في القرآن هو هذا، فقد خلط التّأويل في القرآن، بالتّأويل في مصطلح العلماء.
٢. الظواهر حجّة قاطعة ليس لنا صرفها عنها
إنّ ظاهر القرآن والسّنة الصحيحة، بل ظاهر كلّ متكلم حجّة لا يصار إلى خلافه إلاّ بدليل قاطع مقبول عند العقلاء في محاوراتهم، وذلك كما في حقل التّشريع والتّقنين، حيث انّه ربّما يطلق العامّ، أو المطلق ويراد بهما الخاصّ أو المقيّد، ويشار إلى المخصّص والمقيّد بدليل في مقام آخر، وبذلك يصرف ظاهر العامّ، أو المطلق إلى غيره بدليل مثله، وهذا النّوع من الصّرف أمر مقبول عند العلماء وفي محيط التفننين .
إنّ القرآن نزل بلسان عربّي مبين لأجل هداية النّاس إلى سواء السّبيل والصّراط المستقيم، فليس هناك محيص عن القول بانّ المتبادر من ظاهر الآيات ـ عند أهل اللّسان ـ هو المعنى المقصود لله سبحانه وصرفه عن ظاهره دون قرينة مقبولة عند العقلاء أشبه بصرف الأذهان عن المقاصد الواقعيّة لله تبارك وتعالى.
إنّ فرضيّة صرف ظواهر الكتاب والسّنة لأجل مخالفتها حكم العقل أو العلم أشبه بعمل الاحبار والرّهبان، حيث يؤوّلون ظواهر الإنجيل والتّوراة إلى معنى يوافق العقل، أو التّجربة العلميّة.
وتجويز هذا النّوع من التّأويل في القرآن والسّنة يحطّ من مقامهما، ويكون معنى ذلك وجود مفاهيم غير صحيحة في الوحي سببت صرفها عن ظاهرها .
وهو ممّا لا يتفوه به مَنْ له أدنى ايمان بالوحي الّذي هو إدراك نقيّ عن الخطأ والاشتباه.
وإن شئت قلت: إذا كان المعنى الثاني ـ المصار إليه ـ هو المقصود لله سبحانه ونبيّه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلماذا أتى بكلام له ظهور عند العرف غير مراد له، وأراد معنى غير ظاهر من كلامه .