شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٥٦١
إذا عرفت ذلك فنقول:
كلّ ما يتصوّر أنّه مخالف للعقل، أو العلم فسببه، هو الاعتماد على الظّهور البدئيّ لا النهائيّ، فلو قام الإنسان بالامعان في الآية، أو الحديث، ووقف على الظّهور النهائيّ لما وجده مخالفاً لما يحكم به العقل، أو أثبته العلم.
ولنأت بمثال: قال سبحانه: (وَ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)[١]
ومن المعلوم أن الظّاهر البدائيّ يثبت أنّ من كان في الدّنيا أعمى وإن كان مؤمناً متدّيناً قائماً باللّيل وصائماً في النّهار، فهو يحشر يوم القيامة أعمى .
وهذا الظّهور ظهور بدائيّ، تصوريّ، لا جمليّ، ولا تصديقيّ.
ولكن لا محيص من رفض هذا الظّهور الأفراديّ، والأخذ بالظّهور التّصديقيّ، وذلك بقرينة قوله سبحانه: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَ لَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)[٢]
فهذه القرآئن تدلّ على انّ المراد من الأعمى هو مكفوف البصيرة، لا مفكوف البصر .
إذا عرفت هذه الأُمور الثّلاثة، يتبيّن لك عدم صحة قولهم من «لزوم تأويل كثير من الآيات والرّوايات لأجل مخالفتها العقل والعلم».
وذلك، لأنّ مصبّ المخالفة إنّما هو الظّهور البدائيّ، وما هو الحجّة هو الظّهور النّهائيّ، وعلى الثّاني لا تجد أو قلّما تجد ظهوراً مخالفاً للبرهان والتّجربة.
ولو فرضنا وجود تلك المخالفة، فالأمر يدور بين أمرين :
١. إمّا أن يكون فهمنا من الكتاب والسّنة خاطئاً فيجب امعان النّظر والدّقة في القرآئن
[١] الاسراء: ٧٢ .
[٢] الاعراف: ١٧٩ .