الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٢١٢ - تنبيه
صرّح بعضهم بالحرمة النفسيّة١.
أقول: المناسب هو عدم شرعيّة القيافة و ذلك لما يلي:
الوجه الأوّل: قاعدة الفراش، حيث ورد عن النبيّ صلِّی الله علِیه و آله و سلّم أنّه قال: "الولد للفراش و للعاهر الحجر"٢ و هذه قاعدة مسلّمة سنداً و واضحة دلالةً و ألفاظها تدلّ على أنّها صادرة من معدن العصمة و الطهارة.
و هذه القاعدة تدلّ على أنّه في حالة الشكّ ينتسب الولد دائماً للفراش؛ فإذا حصل زنا و شككنا أنّ الولد للزاني أو للزوج، فنقول هو لصاحب الفراش و هو الزوج، اللهمّ إلّا أن يحصل يقين بخلاف ذلك و لكن هذه قضيّة ثانية، أمّا هذه القاعدة فهي واردة في مورد الشك، فإنّ هذا هو مدلولها المطابقيّ و هي بالالتزام تدلّ على عدم شرعيّة ما سوى ذلك، إلّا أن يقوم دليل، فيصير مخصّصاً لقاعدة الفراش.
فقاعدة الفراش بمدلولها المطابقيّ تلحق الولد المشكوك بصاحب الفراش و بالالتزام تدلّ على نفي شرعيّة ما سوى ذلك. و من جملة ما سوى ذلك القيافة.
الوجه الثاني: اللعان٣، فنحن قرأنا في الفقه أنّه إذا قال الزوج إنّ هذا الولد ليس لي، ففي
١ . التعليقة على المكاسب (اللاري) ١: ١٩١ - ١٩٢.
٢ . الکافي ٥: ٤٩١ - ٤٩٢، ح ٣: أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ [أحمد بن إدريس القمّي: إماميّ ثقة] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ [القمّي: إماميّ ثقة] وَ حُمَيْدِ بْنِ زِيَادٍ [الکوفي: واقفيّ ثقة] عَنِ ابْنِ سَمَاعَةَ [الحسن بن محمّد بن سماعة: واقفيّ ثقة] جَمِيعاً عَنْ صَفْوَانَ [صفوان بن يحيى البجلي: إماميّ ثقة من أصحاب الإجماع] عَنْ سَعِيدٍ الْأَعْرَجِ [السمّان: إماميّ ثقة] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علِیه السلام قَالَ: ... لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّه صلِّی الله علِیه و آله و سلّم. (هذه الرواية مسندة و موثّقة).
٣ . اللعن في اللغة السبّ و الطرد و اللعان مصدر باب المفاعلة يقال لاعنه لعاناً، لعن كلّ واحد منهما صاحبه و في المجمع [مجمع البحرين ٦ : ٣٠٩] و اللعان في اللغة الطرد و البعد و شرعاً المباهلة بين الزوجين في إزاحة حدّ أو ولد بلفظ مخصوص انتهى. و كيف كان، فاللعان في مصطلح الفقهاء عبارة عن تلاعن الزوجين بألفاظ خاصّة. و مورد ذلك ما إذا رمى الرجل زوجته بالزنا أو نفى عنه من ولد في فراشه، مع إمكان لحوقه به. و لابدّ أن يكون ذلك عن علم به و إلّا حرم الرمي و النفي. و مع العلم جاز له إسقاط حدّ القذف عن نفسه، أو إثبات عدم كون الولد منه باللعان.
و قد ذكر الأصحاب في بيان شروطه و أحكامه أموراً؛ نظير: أنّه يشترط في لعان الرمي بالزنا، دعوى المشاهدة و عدم وجود البيّنة له و كون الزوجة دائمةً مدخولاً بها، غير مشهورة بالزنا و كونها سليمةً عن الصمّ و الخرس؛ فلا لعان مع عدم المشاهدة و مع وجود البيّنة و مع كونها منقطعةً - على اختلاف فيها - و مع كونها غير مدخول بها، أو مشهورةً بالزنا، أو كونها صمّاءً أو خرساءً؛ فيترتّب عليه حينئذٍ حكم القذف. و يشترط في لعان نفي الولد كون الزوجة دائمةً و لحوقه به من جهة الدخول و نحوه. و مضيّ ستّة أشهر من زمان الدخول و عدم مضيّ أقصى الحمل من ذلك. و يشترط أيضاً وقوع اللعان عند الحاكم و بتلقينه ألفاظ اللعان.
و طريق ذلك: أنّه يبدأ الرجل بعد رميها بالزنا أو نفي ولدها، فيقول أشهد باللّه أنّي لمن الصادقين فيما قلت من قذفها أو نفي ولدها، يقول ذلك أربع مرّات، ثمّ يقول مرّةً واحدةً: لعنة اللّه عليّ إن كنت من الكاذبين، ثمّ تقول المرأة بعد ذلك أربع مرّات: أشهد باللّه أنّه لمن الكاذبين في مقالته من الرمي بالزنا أو نفي الولد، ثمّ تقول مرّةً واحدةً أنّ غضب اللّه عليّ إن كان من الصادقين و لو لميتمكّنا من التلفّظ بالعربّية لقّنهما الحاكم ترجمتها بغير العربيّة. ثمّ إنّ الشارع جعل اللعان طريقاً قاطعاً للزوج فيما قد يتّفق له من علمه بالحال و عدم تمكّنه من إقامة الشهود العدول و عدم قدرته على الإظهار خوفاً من حدّ القذف.
و أمّا ما يترتّب عليه بعد تحقّقه بشروطه، فهو أحكام أربعة. الأوّل: إنفساخ عقد النكاح و حصول الفرقة بينهما، كالطلاق. الثاني: حدوث الحرمة الأبديّة بينهما، فلاتحلّ له أبداً. الثالث: سقوط حدّ القذف عن الزوج بلعانه و سقوط حدّ الزنا عن الزوجة بلعانها. و لو اتّفق أنّها أبت عن اللعان، ثبت حدّ الزنا عليها؛ لأنّ لعان الرجل بمنزلة بيّنته. الرابع: إنتفاء الولد عن الرجل إذا كان اللعان على نفيه، دون المرأة، فهو لاينتسب بالأب و لا بأرحامه و لا توارث بينه و بينهم و لايترتّب سائر آثار القرابة أيضاً و ينتسب بالأمّ و أرحامها و يترتّب بينه و بينهم آثار الرحم، فهو كمن ولد من غير أب. راجع: مصطلحات الفقه: ٤٥٤ - ٤٥٥.