بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٧٢ - الثالث نسب تعالى الجعل الى نفسه العليم الحكيم فإنه سبحانه اعلم حيث يجعل إمامته كما انه
و قد ذكرنا انه لا يحتاج الى جعل جاعل بخلاف الوجوب الموضوعي فلا يتحقق و لا يوجد بوجه الا بجعله تعالى وحده لا شريك له فان الله سبحانه كما ان له ولاية التكوين و الإيجاد كذلك له سبحانه ولاية التصرف في كل ما سواه بكل أنحائه و منها ولاية التشريع و التقنين و الأمر و النهي و القبض و البسط لان كل ما سواه مملوك له تعالى و ولاية التشريع حق طلق له سبحانه و له الطاعة المفترضة بالذات على جميع من سواه و لا طاعة لأحد على أحد بوجه من الوجوه لان كلهم مملوكون له تعالى في عرض سواء و لا يجوز تصرف أحد في شأن أحد لعدم أولوية أحد على أحد فمن وثب على رقاب الناس و ملك أمورهم و حكم فيهم بما شاء و أراد فإنما يتصرف في سلطان الرب تعالى و لا يسوغ ذلك برضاء الناس و لا يصححه بوجه أبدا لأن الحق له تعالى فلا بد في ذلك من اذنه تعالى و أمره فمن افترض الله طاعته على الناس فقد جعله تعالى اماما عليهم يجب طاعته و اتباع سنته و سيرته في ما سن و أمر و نهى و حكم و شرع بأمر الله و أذنه فيجب اتباع الرسول الإمام في ما سن من السنن الحكيمة بأمر الله و اذنه بالوجوب الموضوعي كما انه يجب اتباعه في ما بين عن الله من الأمر و النهي بالوجوب الطريقي فعلى عهدة المفسر تفكيك كل واحد من العنوانين و تخليصه عن الآخر في كل ما يرد عليه من الآيات و الروايات المسوقة في هذا الشأن الخطير و سنفصل القول في ذلك إن شاء الله تعالى في الآيات النازلة في إمامة سيدنا رسول الله ٦ و في إمامة آله الأئمة الطاهرين.
فقد تحصل من جميع ما قدمنا من البيان ان إبراهيم ٧ بعد ما تشرف بشرف النبوة و الرسالة و بعد ما ابتلاه تعالى بالكلمات و إتمامها و وفائه بتلك المواثيق و العهود أكرمه تعالى بكرامة عظمى و جعله اماما للناس أي مؤتما به و مقتدى به فصارت تصرفاته و أوامره و نواهيه و السنن الحكمية التي سنها بإذن الله سبحانه شريعة إلهية يجب اتباعه و الاقتداء به و ستعرف إن شاء الله مما نتلو عليك من الآيات ان سير تلك المنازل و طي تلك المراحل لا بد ان يكون مقرونا بعصمة إلهية و ان يكون هذا النبي و الرسول و الامام مؤيدا بروح القدس الذي لا ينزل و لا يخطى و لا يلهو و لا يسهو و لا يغفل و لا ينسى فعلى هذا تكون الإمامة المجعولة في الآية عطائه تعالى و تمليكه حق الأمر و النهي و القبض و البسط فحينئذ يكون وجوب أتباعه و افتراض طاعته من باب وجوب طاعة من له الأمر و النهي من الله سبحانه أو يقال ان المجعول افتراض طاعته على كل من كان اماما لهم و سيجيء الكلام في ذلك مستوفى إن شاء الله.
و في معنى الامام و تفسيره أقوال أخرى منها ما قدمناه ان الامام في الآية هو النبي أو الرسول و ذكرنا بطلان القولين و منها ما ذكره بعضهم في قوله تعالى إِمٰاماً