بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٦٩ - الثالث نسب تعالى الجعل الى نفسه العليم الحكيم فإنه سبحانه اعلم حيث يجعل إمامته كما انه
قوله تعالى لِلنّٰاسِ لا يجوز الاستدلال بهذا العموم على عموم إمامته ٧ بحسب الأزمان و الأشخاص و الأحكام حتى يكون اماما للكل في الكل ضرورة ان هذا العموم لا يدل على عموم ما فيه الائتمام و موارده فالقدر المسلم من هذا العموم هو عموم أهل دعوته المسؤولين بالائتمام به و اما بالنسبة الى غير أهل دعوته من الأنبياء الأئمة بعده و الأمم المسؤولين بأتباعهم و الائتمام به و كذلك بالنسبة إلى الأنبياء غير الأئمة و اممهم فلا محال ينحصر مورد الإمامة و الائتمام به بالأحكام المولوية التي لم تنسخ و اما بالنسبة الى غير هذه الموارد فلا يصدق الاتباع و الائتمام فيها سواء كانت من المعارف و الأصول أو غيرها من الأحكام.
توضيح ذلك من عرف الله ربه بحقيقة إيمانه و عرف توحيده سبحانه و نعوته و كمالاته و معاني أسمائه فيجب عليه بضرورة من عقله و علمه الايمان و التصديق بما عرف و علم و كذلك باب المستقلات العقلية في الأحكام و باب مكارم الأخلاق و محاسن الآداب و مساويها على عرضها العريض فان كل ذلك معلوم بضرورة العقول و قد تمت الحجة الإلهية فيها على ذوي العقول فلا محصل للاتباع و الائتمام في تلك الأمور فيبقى مورد الإمامة و الائتمام في الأحكام المولوية الموروثة عن إبراهيم و عن غيره من الأنبياء الأئمة : التي لم تنسخ بعد و ما شك من تلك الأحكام أنها منسوخة فالظاهر انها تستصحب كما هو المقرر في محله و لا يخفى أيضا انه لا يصح الاستدلال بقوله تعالى ثُمَّ أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً. النحل ١٣٤.
و قوله تعالى وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً الآية النساء و نظائرها من الآيات لأنا ذكرنا شرحا شافيا في ما تقدم ان تلك الآيات في سياق الدعوة و الإرشاد و التذكر الى الدين الخالص عن الشرك و الى وجوب الايمان بالتوحيد و في سياق الترغيب و التشويق و في تثبيت من آمن و اتبع صراط التوحيد و في بيان ان على الناس أسوة حسنة لإبراهيم و إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ و لا دلالة في هذه الآيات للاتباع المولوي التشريعي و في هذه الآيات دلالات و إشارات على ان لإبراهيم مواقف كريمة و مجاهدات كثيرة في القيام بأمر التوحيد. فان قلت فأي مانع من الأخذ بإطلاق هذه الآيات في وجوب الاتباع في غير مورد التوحيد و في امتثال الأحكام التشريعية أيضا: قلت الأوامر الإرشادية لا إطلاق فيها و لا تقييد و انما يدور مدار الأمر المرشد إليه سعة و ضيقا. هذا أولا و ثانيا لا يمكن القول بسريان الأمر الإرشادي إلى موارد الأمر المولوي و كذلك بالعكس و سيأتي مزيد توضيح لذلك في طي الأبحاث إن شاء الله، قال الرازي في تفسير المقام لما وعده تعالى أن يجعله اماما للناس حقق الله تعالى ذلك الوعد فيه الى قيام الساعة فإن أهل الأديان مع شدة اختلافها و نهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة