بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٦٦ - الآية الثانية عشرة في بيان معنى الكلمات في الآية و عد بعض الابتلاءات التي تعرض لها إبراهيم ع و ذكر بعض الوجوه المحتملة
قلت: لا كلام في أن الخصال العشر بحسب الأدلة من أجزاء الدين الا ان الآيات مسوقة في التذكر الى التوحيد و الاحتجاج على المشركين في إثباته و تحكيمه و وجوب اتباعه و إبطال الشرك و تقبيح اتباعه فمورد النفي و الإثبات هو التوحيد و الشرك لا الدين على الإطلاق.
الوجه الثاني: ظاهر الآية ان الله سبحانه اختبر إبراهيم ٧ بهذه الكلمات فأتمها إبراهيم (ع) و عمل بها فجعله تعالى وسيلة لنيل مقام الإمامة.
فلو كان مورد الاختبار و الإتمام قبل مرتبة الرسالة و النبوة و الإمامة فلا محالة يتوقف تسنينها و تقنينها على ان يكون إبراهيم رسولا و نبيا و اماما إذ لا محصل ان يكون الإنسان العادي غير الرسول و الامام سن من عند نفسه خصالا و عمل بها فجعله تعالى بامتثالها رسولا اماما بداهة ليس له حق التشريع و التسنين فضلا ان يكون هذا التشريع و العمل به وسيلة إلى نيل الرسالة و الإمامة.
الوجه الثالث: ان يكون معنى قولهم الخصال التي سنها إبراهيم (ع) اي سنها تعالى و أمر بإتيانها في مرتبة الرسالة له و النبوة فأتمها إبراهيم و صار به مستحقا لمقام الإمامة.
فيرد عليه ان الخصال المذكورة يخرج عن عهدة امتثالها أضعف المؤمنين فكيف يصح ان الله تعالى اختبر أعظم نبي من أنبيائه فجعله بامتثالها اماما للناس قيل انه لا دليل في المقام ان المراد من الكلمات هي الخصال العشرة سواء قلنا انها مسنونة بتسنين إبراهيم أو تسنينه تعالى اوحي الى إبراهيم و اختبر بذلك و سنزيد لذلك توضيحا في تفسير قوله تعالى قٰالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ الآية.
قوله تعالى فَأَتَمَّهُنَّ- المناسب للسياق ان فاعل أتم هو الله سبحانه و معنى إتمامه تعالى الكلمات في شأن إبراهيم انه ٧ بعد ابتلائه بالكلمات قام بها قيام المخلصين وجد و اجتهد في امتثالها اجتهاد العابدين المجتهدين و في بعهده تعالى و ابتغى مرضاته بأتم ما يمكن و أكمل ما يكون و حيث انه تحت حمايته تعالى و مستظل في ظل عنايته و ولايته و عصمته نسب الإتمام إلى نفسه القدوس بعناية المساعدة الكاملة و التأييد في حقه و في هذا التعبير غاية التشريف لإبراهيم (ع) كما في قوله تعالى وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ و فيه اشعار لإبراز التشكر و التقدير