بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٦٠ - الخامس يمكن ان يستدل عليه أيضا بأن الأمر و ان لم يكن حقيقة في الوجوب لغة الا انه يفيد الوجوب
من جميع ما ذكرنا من الوجوه في الآية وجوب تطهير الثياب عن النجاسات و التجنب عن الرجز و القذر في حال الصلاة و قد نسب ذلك القول (أي ان الآية تفيد وجوب الطهارة في اللباس) في كنز العرفان إلى الأكثر.
أقول اما الوجه الأول الذي استدل به من ناحية وجوب التطهير ففيه ان الأمر أي صيغة الأمر ليست موضوعة لغة للوجوب و لا قرينة هنا ان هذه الطهارة طهارة شرطية بل الإطلاق يحكي و يقتضي ان المراد هو مطلق النظافة المستحسنة أو الالتزام بوجوب مطلق النظافة فإطلاق الطهارة و حملها على المعنى اللغوي الموضوع له للفظ قرينة على عدم الإطلاق في صيغة الأمر.
و أما الوجه الثاني فنقول ان هذه السورة أول ما نزلت على رسول اللّه ٦ أو انها من أوائل ما نزلت قالوا ان أول ما نزل اقرء بسم ربك ثم نون و القلم ثم المزمل ثم المدثر و في بعض التواريخ ان المدثر نزلت عليه و هو في بيت خديجة فأمره سبحانه بالإنذار و بالتكبير فخلاصة القول ان هذا التكبير ليس التكبير لأجل افتتاح الصلاة به بل أمره سبحانه عند طليعة دعوته الحقة بالإنذار و هو من أهم وظائف النبوة و أعظم أثقالها و من أكبر أصولها كما قال ٦ اني لكم نذير بين يدي عذاب شديد فهو ٦ مأمور بالابشار بما يستقبل البشر من العوالم السرمدية بما فيها من السرور و الصفا و البهاء و بالإنذار بما تستقبلهم من المحن و المصائب و البلاء و مأمور أيضا بالدعوة الى الله العزيز القدوس و ازالة الأوهام و الظلمات الغاشية لآفاق النفوس و العقول من انغمازهم في الشرك و سقوطهم بعبادة الأوثان فمعنى تكبيره تعالى في قوله وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ هو تنزيهه و تقديسة جل ثناؤه عن كل ما يلحدون و تجليله سبحانه عن جميع ما يقولون و يصفون فمرجع قوله ٦ الله أكبر أي الله أجل و أكبر من ان يوصف فهذا التكبير خلع للأنداد و إبطال لجميع الأصنام و الأضداد فهذا عين الدعوة الى الله و توحيده فقد حكى في البحار ج ٦ ص ٣٤٦ في قضية مبعثه انه لما دخل الدار صارت الدار منورة. فقالت خديجة ما هذا النور قال نور النبوة قولي لا إله إلا الله فأسلمت خديجة فقال يا خديجة إني لأجد بردا فدثرت عليه فنام فنودي يٰا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ فقام و جعل إصبعه في أذنه فقال الله أكبر الله أكبر فكان كل موجود يسمعه انتهى ما أردناه و لا خفاء عند أولي الألباب انه لا تفاضل بينه تعالى و بين ما سواه من الموجودات فلا يقاس سبحانه بشيء من الموجودات كي يكون تفاضلا بينه و بين ما سواه فليس غيره في عرضه فلا بد من تجريد أفعل من معنى التفاضل و تفسيره ان يقال الله أكبر من ان يوصف و أجل من أن يتوهم أو يحد كما في قوله تعالى فيما يحكيه عن يوسف الصديق رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّٰا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ قال السيد (قده) في شرح الصحيفة المباركة في تفسير قوله ٧ أنت الله الكريم الأكرم الدائم الأدوم قال الأدوم أي البليغ الدوام و افعل هنا مجرد عن