بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٣٥ - الآية الرابعة الاستدلال على حرمة مس القرآن الكريم و بيان بعض المفردات في الآية
الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ الواقعة ٨٠.
استدلوا بهذه الآية على تحريم مس كتابة القرآن و خالف في ذلك بعض المحققين على ما سنشير إليه في ذيل البحث إن شاء الله.
«قوله تعالى إِنَّهُ» قالوا ان الضمير المنصوب راجع الى المتلو اي ما تلوناه عليك «لَقُرْآنٌ» و هو فعلان من قرء يقرء بمعنى المفعول سمي به الكتاب المجيد باعتبار كونه حروفا و ألفاظا يتلى و يقرء «كَرِيمٌ» قيل اي كثير الخير و النفع لما فيه من أصول العلم و أمهات الشرائع و في القاموس ما ملخصه كريم اي معظم و منزه قوله فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ الكتاب بمعنى المكتوب المكنون اي المستور قيل المراد به اللوح المحفوظ و هو صفة للقرآن أيضا و فيه تصريح بأن المراد من الكتاب في المقام ليس هو القرآن كما في غير هذا المقام من إطلاق الكتاب على القران كثيرا و يحتمل ان يكون خبرا ثانيا لان قوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ صفة للقرآن أيضا أو خبر لان و الجملة خبرية أريد بها الإنشاء و الشاهد القطعي على انها نعت للقرآن قوله تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ فان التنزيل صفة للقرآن بلا ريب، و لا معنى لكون التنزيل صفة و نعتا للكتاب المكنون فيسقط ما احتمله بعض المحققين من رجوع الضمير الى الكتاب و كون الجملة نعتا للكتاب و يشهد على ما ذكرنا لفظ المس أيضا فإن المس هو الإلصاق الظاهري و إطلاق المس على الإدراك سيما ادراك الحقائق الغائبة عن الحس غير معهود في إطلاق القرآن المبين و محاوراته و المس الظاهري للكتاب المكنون لا محصل له.
و الظاهر ان هذا التعبير بالنفي أظهر و أقوى في إفادة المنع و التحريم فحينئذ يكون المراد من المطهرين هم الواجدون للطهارة و النظافة الظاهرية و يشمل بإطلاقه و عمومه لمن تطهر من الأحداث و قد ناقش في ذلك المحقق الأردبيلي (قده) من احتمال رجوع الضمير الى الكتاب و قواه بعض بأن رجوعه الى الكتاب أولى لأنه أقرب و قد غفل هذا المحقق عما ذكرنا انه لو كانت هذه الجملة نعتا للكتاب لوجب ان يكون قوله تعالى تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ نعتا للكتاب أيضا و غفل أيضا عما ذكرنا من الاستبعاد من إطلاق لفظ المس على الإدراك العلمي و أوهن من هذا ما ذكره في قلائد الدرر عن بعض أن قوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ الآية نعت للقرآن باعتبار ما كان في الكتاب المكنون قبل التنزيل و هذا اخراص من القول إذ لا شاهد عليه في ظاهر اللفظ و ظاهر الآية صرح ان القرآن غير الكتاب المكنون و ليس بمرتبة من مراتب الكتاب المبين كما زعمه الأعاظم من الصوفية، فإن قلت ان المستثنى و هو المظهرون اي الواجدون للطهارة و الطهارة في اللغة مطلق النظافة فأي دلالة في الآية على