بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٣٤ - الآية الرابعة الاستدلال على حرمة مس القرآن الكريم و بيان بعض المفردات في الآية
و يجب الالتزام بأن الحكم ما حكم و الدين ما شرع و السبيل ما أوضح و الطريق ما بين و كل من وضع دينا أو تشرع حكما أو ادعى دعوة فهو افتراء و كذب و واضعه صنم و طاغوت يعبد من دون الله يجب ان يكفر به و يتبرء منه فتحصل ان الآية في مقام حصر العبادة لله و نفي الشركاء منه تعالى لا إخلاص العباد لله تعالى.
قال تعالى فَإِذٰا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّٰا نَجّٰاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذٰا هُمْ يُشْرِكُونَ (عنكبوت ٦٥) قوله تعالى مُخْلِصِينَ اي موحدين له تعالى بالالوهية و التدين بدينه فقط قال تعالى وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «يونس ٢٢» قال تعالى وَ إِذٰا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «لقمان ٣٢».
و يؤيد ذلك ما ذكره بعض المفسرين عطف قوله وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ عليه قال المولى العلامة الأنصاري في كتاب الطهارة: فالآية ظاهرة في التوحيد و نفي الشرك من وجوه. منها لزوم تخصيص العموم بأكثر من الباقي، و منها عطف إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة على العبادة الخالصة عن الشرك و هو التوحيد الى ان قال:
و بما ذكرناه فسره جماعة فعن مجمع البيان مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ اي لا يخلطون بعبادته عبادة من سواه و عن البيضاوي أي لا يشركون به و عن النيشابوري تفسيره بالتوحيد و جزم بذلك شيخنا البهائي في الأربعين انتهى.
ثم لا يخفى انه بناء على تسليم ما ذكروه في الآية انها مسوقة لإثبات الإخلاص انما هو لإثبات الإخلاص في العبادة المفروغ من كونها عبادة فليس سياقها افادة تشريع الإخلاص و إيجاب النية في العبادات فينهدم ما توهمه بعض عن أصالة العبادية في الواجبات مضافا الى سقوطه لسقوط أصل الدعوى و ان الآية في مقام إثبات التوحيد و نفي الشرك.
و لا يخفى أيضا ان سبب هذا التوهم انما نشأ من لفظ يعبدوا و قد توهم المستدل ان المراد هي العبادة المصطلحة و ظن ان ألفاظ القرآن لا بد ان يحمل على المعاني اللغوية، و العبادة في اللغة بمعنى التذلل و التواضع و هو معنى عام صادق بالإقرار و الاعتراف بالله لتوحيده و يتحقق بالتسبيح و التمجيد و كذلك جميع العبادات الذاتية و يتحقق أيضا بقصد الأمر في غير العبادات الذاتية فهذا التوهم ساقط بسقوط أصله أي كون المراد من العبادة هي العبادات المشروعة من قبل الشارع مع ما لها من الشرائط و الاجزاء.
الآية الرابعة [الاستدلال على حرمة مس القرآن الكريم و بيان بعض المفردات في الآية]
قال تعالى إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا