بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٣٣ - الآية الثالثة الاستدلال على وجوب النية في العبادات و الطهارات و كذا وجوب الإخلاص فيها و بيان بعض المفردات في الآية
على مراتب مقامات العابدين المتقين من حيث الايمان و الإيقان و هذا هو الحق الذي أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ.
و قد أسلفنا في بحث الوضوء و عباديته ان بعد تحقق العبادية بقصد الأمر و ارتباط المأمورية و انتسابه و إضافته إلى المولى الآمر يتحقق الإخلاص بجميع الدواعي التي في طول قصد الأمر و يتحقق الإخلاص بقصد الأمر أيضا فقصد الأمر من بين الدواعي كما انه يتحقق به العبادية يتحقق به الإخلاص أيضا بخلاف الدواعي الأخر فلا يتحقق بها الا قصد الإخلاص فقط فتبين أن الدواعي المذكورة لا ريب في كفاية كل واحد منها في صحة العبادة و تحقق الإخلاص.
(قوله تعالى لَهُ الدِّينَ) قالوا الدين بمعنى الجزاء اي مخلصين ما يوجب الجزاء و العبادة و سيجيء تفسير الدين بالمعنى المتعارف الذي يجب التدين به.
قوله تعالى حُنَفٰاءَ الحنيف اي المائل إلى الحق و المعرض عن الباطل و هو حال أيضا من الفاعل اي مخلصا مائلا إلى الحق و معرضا عن الباطل.
قوله تعالى وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ إضافة الدين إلى القيمة للاختصاص و الموصوف محذوف اي دين الملة القيمة و في المجمع قال النصر بن شميل سألت الخليل عن هذا يقال القيمة جمع القيم و القيم القائم واحد فالمراد دين القائمين لله بالتوحيد و ناقش في ذلك المحقق الأردبيلي و قال يحتمل كون الإضافة بيانية اي و ذلك دين الذي هو القيمة.
أقول و الإنصاف ان الآية الكريمة أجنبية عما ذكروه من دلالتها على وجوب النية و وجوب الإخلاص فيها بل هي في مقام التوبيخ على الذين أوتوا الكتاب و أنهم ما تفرقوا أو ما اختلفوا إِلّٰا مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ و تمت عليهم الحجة في أمر الدين و الآية الكريمة في سياق قوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ إِلّٰا مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ (الآية) «آل عمران» قال تعالى وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ «البقرة ٢١٢».
فالذين أوتوا الكتاب ما اختلفوا الا بعد البينة و ما أمروا بذلك و انما أمروا ان لا يعبدوا الا الله وحده لا شريك له مخلصين في الدين، الدين هو الإسلام الذي ارتضاه لأنبيائه و رسله لا يقبل من أحد غيره و هذا الدين هو التوحيد في ذاته تعالى و في نعوته و كمالاته و التدين به و بما وضع من الشرائع و بما بين من الحقائق و هذا الدين خاص إله سبحانه لا نصيب لأحد فيه لا قليلا و لا كثيرا فيجب الإخلاص بأن الدين لله سبحانه