بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٣١ - الآية الثانية في حكم الدخول في الصلاة حالة السكر أو الجنابة؟ و هل يتوجه الخطاب إلى السكران؟ و بيان معنى السكر في الآية
الايمان كله عمل و القول و الإذعان أيضا من العمل سيما بملاحظة ما ورد في خصوص الخمر و انه يعمل في ايمان الرجل ما يعمل من الأفكار و لعل مراده عن الأمر بالتأمل ما ذكرناه و قال الفيض (قده) في توجيه هذا التشنيع على المؤمنين ما خلاصته بأن هذه الآية نزلت و لم يستقر حرمة الخمر بعد و الا كان تهجينا لهم و اما بعد استقرار التحريم على نحو الجزم فلا يصلح ان يخاطبوا بمثل هذا الخطاب و هو عجيب منه مع حذاقته و دقته في النظر و قد افتى موسى بن جعفر (ع) في جواب مهدي العباسي استنادا الى الآيتين في سورة البقرة ٢١٩ و الأعراف ٣٣ بالتحريم الجزمي و بالجملة لا بد من الالتزام بلزوم هذا التشنيع و التهجين و الذي ذكروه من التوجيهات لا ينفع في الجواب و يؤيد ما ذكرناه أيضا ما رواه العياشي في تفسيره عن الحلبي قال سألته عن قول الله يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية قال لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ الى ان قال و ليس كما يصف كثير من الناس يزعمون ان المؤمنين يسكرون من الشراب و المؤمن لا يشرب مسكرا و لا يسكر و الذي يترجح في النظر ان المراد من السكر هو سكر النوم و النهي الوارد لا يستفاد منها الا الحكم الوصفي و هو اشتراط صحة الصلاة بكونهم غافلين شاعرين لا الحكم التكليفي و على ذلك عدة من الروايات المصرحة بأن المراد سكر النوم و هي كافية في صحة تقييد العموم أو الإطلاق و ما يقابله من المرسلات و الضعاف لا يقاوم ما ذكرناه فلا بد من طرح ما يخالفه و يقابله أو تأويله و توجيهه و العمل بما ذكرناه كما لا يخفى فان قيل فأي مانع لشموله النوم و الخمر أيضا قلت لا يمكن فإن النهي عن سكر النوم شرط في صحة الصلاة و حكم وضعي و النهي عن الصلاة تحريم التلبس بالصلاة سكرانا نعم لا مانع من تعميمه بغير الخمر من المرقدات و غيرها ان لم يكن لحن الروايات المفسرة لحن الاختصاص.
قوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ اي لا تقربوها جنبا قيل الضمير إلى الصلاة و قوله تعالى إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ اي مسافرين مع اشتراط التيمم بحسب أدلة أخرى و ضعف في المجمع هذا الوجه و ان عنوان المسافر و المرضى قد ذكر في ذيل الآية مع كمال العناية بهما و التوضيح لأحكامهما فالقول به في صدر الآية مع انه لا دليل عليه و لا اشعار به مستلزم للتكرار و قيل ان المراد مواضع الصلاة و الالتزام بإضماره واضع هناك أهون من إضمار التيمم في الوجه الأول و في كلمات بعض الأعيان ان القول بأن المقصود في المقام هي مواضع الصلاة و ان كان مخالفا للظاهر الا انه لا بأس بالالتزام به لمكان دلالة الروايات المعتبرة على ذلك. أقول:
و أحسن ما قيل في هذا الباب ما ذكره الجزائري نقلا عن الصفي الحلي (قده) في كتاب الصناعات البديعية و هو أن يكون المراد في صدر الآية معناها الحقيقي و يراد بها عند قوله تعالى وَ لٰا جُنُباً مواضعها الغالبة اعني المساجد و هذا نوع ثالث للاستخدام و عدم شهرة هذا النوع بين المتأخرين من أهل المعاني و البيان غير ضار فان صاحب