بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢١٤ - (الآية الخامسة) قال تعالى
في العزائم لها قرائن خاصة لإيجاب السجدة بعينها على الفور بخلاف المقام لمقارنة الركوع بالسجود فلا يمكن انطباق الآية على سجدة التلاوة فلا محالة يكون المراد من الركوع و السجود الواجبين هو الواجب في الصلاة بالبيان الذي تقدم في القراءة اي أن الركوع الواجب مع السجدة الواجبة لا يوجد لها مصداق إلا في الصلاة. ففي القلائد قال: روى الشيخ في الموثق عن سماعة قال: سألته عن الركوع و السجود هل نزل في القرآن قال نعم قول الله عز و جل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا فقلت كيف حد الركوع و السجود فقال اماما يجزيك من الركوع فثلاث تسبيحات تقول سبحان الله سبحان الله سبحان الله ثلاثا و من كان يقوى أن يطول الركوع و السجود فليطول ما استطاع يكون في تسبيح الله و تحميده و تمجيده و الدعاء و التضرع فإن أقرب ما يكون العبد الى ربه و هو ساجد.
و فيه أيضا عن الكافي عن أبي عمر الزبيري عن أبي عبد الله (ع) في حديث طويل- الى ان قال- ان الله فرض الايمان على جوارح بني آدم و قسمه عليها و فرقه فيها و فرض على الوجه السجود له بالليل و النهار في مواقيت الصلاة فقال يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. و هذه فريضة جامعة على الوجه و اليدين و الرجلين. الحديث.
فتحصل من جميع ما ذكرنا أن المراد في الآية الكريمة هو الركوع و السجود الواجبين في الصلاة و على نحو الإجمال و تفصيل الركوع و السجود و شرائطهما فموكول الى بيان آخر من الكتاب و السنة و هذه سنة القرآن في بيان الحقائق و الأحكام فلا يستغني المفسر و الفقيه بحسب الغالب في تفسير الآية من القرآن عن غيرها من الآيات و السنن من حيث تقييد مطلقاتها و تخصيص عموماتها.
قوله تعالى وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ. الآية العبادة في اللغة بمعنى التذلل و الإطاعة و الانقياد و مقابلة الاستكبار فإتيان جميع الواجبات و امتثالها و كذا ترك جميع المحرمات إذا كان لله فهو عبادة لله فالناس أما عبدة الرحمن أو عبدة الشيطان قال أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ. الآية فتعين ان العبادة معنى عام شامل لطاعة جميع الفرائض العقلية و الشرعية مثل الايمان بالله و رسله و بما جاءوا به و الالتزام و الإتيان بما أمروا و كذا ترك جميع المحرمات و كذا ترك الكفر و الفسوق و العصيان فمرتبة العبادة مرتبة الامتثال للواجبات و ترك المحرمات.
و قد فسر العبادة في الآية بأنها الحج و الصوم و فسرها بعضهم و قال وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ بفعل ما تعبدكم به من العبادات انتهى. أقول: الوجه ما ذكرنا و ليعلم ان الأمر أمر إرشادي لا مولوي تعبدي.