بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٩٣ - بحث و تحليل
في نور الثقلين عن الكافي بإسناده في احتجاج أمير المؤمنين (ع) على عاصم بن زياد حين لبس العباء و ترك الملا و شكاه اخوه ربيع بن زياد الى أمير المؤمنين (ع) انه قد غم اهله و أحزن ولده بذلك فقال أمير المؤمنين علي به فلما رآه عبس في وجهه فقال اما استحييت من أهلك أما رحمت ولدك أ ترى الله أحل لك الطيبات و هو يكره أخذك منها أنت أهون على الله من ذلك الى أن قال فبالله ان ابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال و قد قال عز و جل وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ الحديث.
ثم لا يخفى ان الآية الكريمة في مقام افادة التزين و التجمل من حيث المعنى المصدري لا في مقام إفادة الحلية و الإباحة للأعيان التي يتجملون بها فمساق الآية ليس الأمر بأخذ الزينة المفروغة عن شرعيتها و التزين و التجمل بها و ساكتة عما توهم من دلالتها على حلية الأعيان التي يتجملون بها فلا يمكن دعوى الإطلاق في الآية بالنسبة إلى أنحاء التجمل و بالنسبة إلى الأعيان أيضا فحلية الأعيان و عدمها أجنبية عن مفاد الآية فلا بد من التماسها من أدلة أخرى و سيأتي مزيد توضيح بذلك إن شاء الله فعلى هذا لا بد أن يكون المقيدات للآية الكريمة من حيث الذي سيقت الآية لأجلها من إطلاق أنواع التجمل و أرقامه مثل لباس الشهرة و لبس الرجال لباس النسوان و بالعكس. قوله تعالى كُلُوا وَ اشْرَبُوا الآية عطف على قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ وحدة السياق و ان كانت تقتضي ان يكون الأمر بالأكل و الشرب مثل المعطوف عليه من حيث الوجوب أو الاستحباب الا أن تقيد المعطوف عليه بقوله عند كل مسجد كاف في تفكيك السياق و ان قوله تعالى كُلُوا وَ اشْرَبُوا في مقام تشريع الترخيص و التسويغ و لا يخفى أن هذا الترخيص ترخيص شرعي و اباحة مولوية في قبال الأحكام الأربعة الأخرى.
فصدر الآية الآمرة بأخذ الزينة وجوبا أو استحبابا و ذيلها الناهية عن الإسراف كاف في تأييد ما ذكرناه و قرينة في إثبات ما استظهرناه. فلا مجال لتوهم أن الآية في إثبات حلية الأشياء و رفع الحظر قبل ورود الشرع كما تقدم ذكره عن الكشاف في الآية السابقة فإنه مضافا الى بطلانه من أصله و في حد نفسه فرق بين بين الآيتين.
فالآية السابقة في مقام الامتنان و هذه الآية في مساق التشريع و هل يمكن ان يقال بإطلاق الآية و شمولها بالنسبة إلى المطاعم و المشارب أيضا كي يمكن الاستدلال بها بحلية ما يمكن ان يؤكل و يشرب ما عدا موارد التقية أو أن الإطلاق المذكور بالنسبة خصوصيات الأكل و الشرب بمعناهما المصدري فقط. الظاهر هو الثاني و زعم بعض الأعيان ان الإطلاق من كلا الوجهين و خلط تفسير هذه الآية بالآية التالية و هي