بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٩٢ - بحث و تحليل
و فيه أيضا عن خثيمة بن أبي خثيمة قال: كان الحسن بن علي (ع) إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه فقيل له يا بن رسول الله لم تلبس أجود ثيابك فقال ان الله جميل يحب الجمال فأتجمل إلى ربي و هو يقول خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فأحب أن ألبس أفضل ثيابي و لا يخفى أن تفسيره بالمشط و الطيب و الغسل في بعض الروايات من باب بيان المصداق و لا منافات بينها.
بحث و تحليل
قد يتوهم ان مفاد هذه الآية الكريمة المبحوثة عنها من استحباب التجمل بأجود ما يقدرون عليه من اللباس ينافي ما هو المتسالم من فضيلة الزهد و إيثار الآخرة عن الدنيا و الاعراض عنها و الإقبال لكل همته الى الله سبحانه و الانقطاع التام إلى جنابه جل شأنه و الرغبة و الاشتياق إلى الآخرة و دار الكرامة و محل الرحمة قلت نعم هذه المسألة من أغمض المسائل الخلاقية و قد وقعت مشاجرات و احتجاجات بين متصوفة العامة و بين الأئمة الأبرار من آل الرسول منها ما في معايش الكافي من المناظرات و الاحتجاجات التي وقعت بين الصادق (ع) و بين السفيان الثوري و أصحابه من الصوفية حين أنكر سفيان على الصادق ٧ ما لبسه من الثياب لا مجال للخوض فيها و إيرادها في المقام. فعند متصوفة العامة ان الزهادة هو التقشف و عبارة عن لبس الخشن و أكل العشب و أما عند ال الرسول ان الدنيا إذا أقبلت و اراخت غزاليها فالابرار و الاطهار من أوليائه تعالى اولى بها و الاستفادة منها من الفجار و الأراذل و الأشرار و ان الله لا يبغض طعاما و لا لباسا. قال تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ. فاستدلوا بهذه الآية في إبطال مقالة متصوفة العامة.
و قالوا ان الله سبحانه جمع الزهد في كتابه في كلمتين و قال لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ. فخلاصة قولهم في المقام ان الزهد من أعلى مراتب الايمان و أفضل الإيقان بحيث ان يخرج حب الدنيا و ما يتعلق بها عن قلب المؤمن و ينحصر همه و غرضه وجه الله الكريم و التشرف بقربه و الوقود الى حريم كبريائه و هو يرى نفسه أجل و امتع من الدنيا و ما فيها و ليست الدنيا التي تمد الرجال إليها أعناقهم و أعينهم عند ولي من أوليائه تعالى لا كفيء الظلال أو قطعة لحم في يد مجزوم أو لماظة قذفها من فمه متكبر جبار و أما التمتع من نعم الدنيا و الطيبات من أرزاقها و نعيمها فهي أهون عند الله سبحانه و اخزى من أن يمنع أوليائه و أحباءه منها.