بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٨٤ - «إيقاظ و إزاحة أوهام»
الصدق الذي وعد تعالى رسوله و كذلك قوله فَوَلِّ وَجْهَكَ التعبير بالفاء عقيب الوعد المذكور و روى الجصاص ان نفر من أهل المدينة قصدوا رسول الله ٦ في مكة للبيعة و فيهم البراء بن معرور فصلى براء إلى مكة و الى أصحابه فلما قدموا رسول الله ٦ سألوه فلم يأمره باستيناف صلواته.
أقول بعد ما عرفت ان ظاهر الآيات ان كل واحد من القبلتين فريضة في وقته فلا يصغي الى هذه الآحاد الضعاف المخالفة لظاهر القرآن.
(٣) روى الجصاص عن ابن عباس ان هذه الآية نسخت بها قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ./ البقرة (١١٥) و كان المسلمون قبل ذلك يصلون الى حيث كان من الجهات و قال بعض الأعيان ان القائل بذلك قتادة.
أقول لازم ذلك القول انه تعالى ما جعل لرسوله قبلة بعينها و هذا خلاف صريح الآيات و السنن القطعية و سيجيء إن شاء الله ان قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ ليست بمنسوخة بل محكمة يعمل بها في موردها و نسبة هذه الآية المبحوثة عنها نسبة العام الى الخاص لا للناسخ و المنسوخ و الله الهادي.
قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ التولية التحير و التمكن من التصرف اي صرف وجهك و إطلاق الأمر يقتضي الوجوب مطلقا سواء كان في الفرائض أو في النوافل و في جميع الحالات بالعناوين الأولية و غيرها من حال الشك في القبلة و التحير فيها و هذا الإطلاق في معرض التقييد فلا ينافي ما ورد في تخصيصه من عدم اشتراط الاستقبال في النوافل- ما يشاء- و في غيرها من العناوين الثانوية (مثل صلاة الخوف).
و الشطر: فسره بعضهم بالنصف و البعض و ذكر ان وجه التعبير عن الكعبة بشطر مسجد الحرام فإن الكعبة بعض من المسجد الحرام و لا يخفى ما فيه من التكلف قال في القاموس الشطر نصف الشيء و جزئه الى ان قال و الجهة و الناحية و هذا المعنى الأخير هو المراد في المقام اي اصرف وجهك نحو المسجد الحرام و تصريف الوجه نحو المسجد الحرام باعتبار احتوائه الكعبة المكرمة لا انه قبلة في قبال الكعبة و إلغاء كونها قبلة كما قد يوهمه بعض الكلمات ان الكعبة قبلة لمن في المسجد و المسجد قبلة لمن في الحرم و الحرم قبلة لأهل الدنيا و منشأ هذا التوهم هو الأخذ بظاهر الآية و بظاهر عدة من الروايات ضرورة ان الآية و ما في مساقها من روايات عمومات سيقت لأهل التشريع قبلة فلا ينافي ما ورد من تخصيصها و تعين حدود القبلة و ما يرجع الى شأنها و منه يعلم انه لا وجه لإعمال المعارضة بين ما دل على ان القبلة عين الكعبة