بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٧٨ - (الآية الثانية)
١- أن المراد من القبلة المعرفة باللام ما سبق في الآية السابقة في قوله تعالى.
مٰا وَلّٰاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كٰانُوا عَلَيْهٰا فمورد اعتراض السفهاء عليه ٦ و على المسلمين انما ترك القبلة التي كانوا عليها.
٢- أن المراد من الجعل في الآية هو التشريع و الأمر و هو لا يمكن الا بعد الرسالة و بعد الأمر بالبلاغ حتى آمن به جمع من الناس يريد تعالى بهذا الجعل امتحانهم و اختبارهم لكي يميز المؤمن من المدبر و اما قبل الرسالة و البلاغ في زمان نبوته أو رسالته و لم يؤمر بالتبليغ سيما تبليغ الأحكام فليس هناك جعل و لا تشريع و لا بلاغ فلا محالة يكون بعد الرسالة بزمن يسير أو كثير.
فعليه يبطل ما قيل انه ٦ صلى الى البيت المقدس مدة مقامه بمكة و كذلك قول من زعم انه صلى اليه من بدو رسالته مقارنا معه الا أن يكون تسامحا في التعبير.
٣- ان الجعل الثاني للكعبة و نسخ بيت المقدس قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ الآية لم يتحقق بعد فيبطل ما قاله الرازي.
٤- ان هذه القبلة حيث ما شرعت انما شرعت للاختبار و الامتحان لا تأليفا لليهود بالنسبة إلى جعل بيت المقدس و لا تأليفا للمشركين بالنسبة إلى جعل الكعبة للمشركين فلا محالة يقع المجعول امتحانا للمؤمنين لا اليهود فان الامتحان لليهود يكون في رفعها و نسخها و صريح الآية ان الامتحان في جعل القبلة لا في نسخها فتبين من جميع ما ذكرناه. ان المراد من القبلة المجعولة هي بيت المقدس بمكة و الممتحن المؤمنون من العرب و قريش و من يريد ان يؤمن من المشركين و انه ٦ و من معه من المسلمين يصلون إلى الكعبة إلى حين حتى حولت الى بيت المقدس ثم نسخت و أعيدت إلى الكعبة.
في الوسائل مسندا عن معاوية بن عمار قال قلت لأبي عبد الله (ع) متى صرف رسول الله الى الكعبة قال بعد رجوعه من بدر و كان يصلي في المدينة إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا ثم أعيد إلى الكعبة.
أقول: قوله (ع) أعيد إلى الكعبة ظاهر في انه ٦ كان يصلي قبل بيت المقدس إلى الكعبة ثم أعيد إليها أيضا و الغرض من هذا البيان بيان صرفه ٦ الى الكعبة فلا ينافي ما استظهرنا من الآية ان هذا الجعل وقع في مكة و لا ينافي أيضا للروايات المصرحة بذلك و انه يصلي في مكة إلى بيت المقدس ففي بعض منها انه يجعل الكعبة بينه و بين بيت المقدس و في بعض منها ثلاثة عشر سنة.
و مما يستأنس ان الرسول ٦ يصلي في مكة إلى الكعبة في أوائل أمره ما في البحار عن أعلام الورى عن دلائل النبوة مسندا عن عفيف انه قال كنت امرء تاجرا فقدمت منى أيام الحج و كان العباس بن عبد المطلب امرء تاجرا فأتيته و المتاع