بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٦٣ - الأمر الخامس - يمكن ان يستشكل في الشفاعة بوجوه
فإن قيل فما فائدة الشفاعة إذا كان له العفو من غير شفاعة و قبل الشفاعة و هو سبحانه أشد رأفة و رحمة من رحمة الشفاعة. قلت له سبحانه أن يجعل طريقا الى عفوه و مغفرته كما في غير الشفاعة من أسباب المغفرة مثل الدعاء و الاستغفار و التوبة فيقال إن اجابة دعاء المسيئين تقريب لهم الى بابه و كذلك قبول توبة النادمين إنقاذ لهم من العصيان في ساحة الرب و إرغام لأنف الشيطان و قبول الشفاعة من أوليائه إكرام لهم و إعلان لكرامتهم عند الله سبحانه و في قبولها تثبيت لرجاء المذنبين و عدم انقطاعهم عن ربهم و دفع ما يرد عليهم من رذيلة القنوط على ان الجواب الذي ذكرناه عن الاشكال جار في المقام إن شاء الله.
الثالث:- قد يقال أن القول بالشفاعة يوجب إغراء الناس على العصيان و التساهل و التسامح في امتثال الواجبات و الاجتناب عن المحرمات لاعتمادهم و اتكالهم على الشفاعة و هو مناف لمصالح التشريع و الغرض الأصيل في بعث الرسل و إنزال الكتب لتزكية الناس و سوقهم الى الكمالات و المعارف الربوبية و سوقهم الى مكارم الأخلاق و محاسن الآداب أقول فيه أولا انه منقوض بالآيات الدالة على سعة رحمته تعالى و مغفرته و مواعيده الحسنة الجميلة لعباده في كتابه الكريم قال تعالى إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ* النساء- ٤٨ قال في المجمع ج ٣ ص ٥٧ و جاءت الرواية عن أمير المؤمنين ٧ انه قال ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه الآية. أقول روي في البرهان ج ص ٣٧٥ عن الفقيه مسندا عن علي (ع) قال ما في القرآن آية أحب الى من قوله عز و جل إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ*- أقول هذه الرواية الشريفة و ان كان مما اختلف فيها الانظار من حيث انها تدل على ان هذه الآية أرجى آية في كتاب الله في المذنبين أو ان أرجى الآيات هي قوله تعالى قُلْ يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا الآية زمر ٥٣ أو ان أرجى الآيات قوله تعالى وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىٰ (الضحى) الا ان هذا الاختلاف لا يضر فيما نحن بصدده من نقض قول من يقول ان الشفاعة توجب إغراء الناس على المعاصي قال في المجمع ج ٣ ص ٥٧ لا معنى لقول من يقول من المعتزلة ان حمل الآية على ظاهرها و إدخال ما دون الشرك في المشيئة يوجب إغراء الناس لأن الإغراء انما يحصل بالقطع على الغفران و اما إذا كان الغفران متعلقا بالمشيئة فلا إغراء بل يكون عبد واقفا بين الخوف و الرجاء على الصفة التي وصف الله تعالى بها عباده المرتضين في قوله تعالى يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً يحذرون الآخرة و يرجون رحمة ربهم، و بهذا وردت الاخبار الكثيرة عن طرق الخاص و العام و انعقد عليه إجماع سلف أهل الإسلام انتهى.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن الآيات الكريمة الدالة على مطلق الشفاعة لا تسجل