بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٦٢ - الأمر الخامس - يمكن ان يستشكل في الشفاعة بوجوه
مرتبة متأخرة عن استحقاق العاصي مرجحة لطرف العفو من غير إلزام فتعين ان الشفاعة مما يؤكد الحكم التشريعي و يؤيده لا يضاده و لا ينافيه كما توهمه المستشكل فالعصيان في طول الحكم التشريعي و الاستحقاق في طول العصيان و العفو و الأخذ في طول الاستحقاق و الشفاعة مرجحة لطرف العفو الذي كان مملوكا له تعالى قبل الشفاعة.
فإن قلت فما فائدة الشفاعة إذا كان العفو مملوكا له تعالى من دون تأثير الشفاعة في إيجاب العفو. قلت- قد عرفت ان المرجحات بأسرها منها الشفاعة في المقام لا يوجب تحديد المالكية و القدرة الا ان الفاعل العاقل المالك المختار يختار الفعل لغايات فاضلة حكيمة فيمجد و يحمد بها و يتنزه عن الأفعال الردية القبيحة فيقدس به فالعفو عند الشفاعة إكراما لأوليائه بقبول شفاعتهم يزيد على حسن العفو حسنا و مزيدا و كرامة.
أما الجواب النقضي فنقول- ان حكمه تعالى و قضائه الحكيم بالعفو بعد حكمه بالعقاب غير عزيز في سنته تعالى مثل العفو الابتدائي قال تعالى قُلْ يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لٰا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً الآية (الزمر ٥٣) و مثل محو السيئات بالحسنات قال تعالى إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ ذٰلِكَ ذِكْرىٰ لِلذّٰاكِرِينَ (نور ١١٤) و مثل غفران الصغائر باجتناب الكبائر قال تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ الآية (النساء- ٣١) و مثل محو الذنوب بالتوبة.
الثاني: يمكن ان يقال الشفاعة تحميل ارادة الشفيع على الحكم الذي يريد ان يأخذ المجرم و يعاقبه فلا محالة يعدل بشفاعة الشفيع عن إرادة العقاب.
قلت- كلا فان المتحصل من الآيات التي تلوناها عليك ان الشفاعة المقبولة بتشريعه تعالى و باذنه و مشيئته و رضائه فلا يشفع أحد من المقربين إلا بإذنه ضرورة انه لا يملكها أحد إلا بعد تمليكه سبحانه قال تعالى قُلْ لِلّٰهِ الشَّفٰاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (زمر ٤٤) فعليه يكون تعالى هو الشافع و أشفع الشافعين فاتضح في المقام انه لا محصل لما يقال أن الشفاعة تحميل ارادة الشفعاء على الله سبحانه و قد أجاد المحقق الطوسي (قده) حيث قال و نفي الشفيع المطاع لا تستلزم نفي المجاز انتهى- أقول أراد (قده) أن تحميل الإرادة إنما يتصور من الشفيع المطاع على من هو دونه و تحت نفوذه و سلطانه لا من الشفيع المجاز المجاب فالمذنبون يستشفعون بأمره و الشافعون يشفعون باذنه و رضاه جل ثناؤه.