بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٢١ - الآية الثانية قال تعالى
في مقام التذكر إلى أهمية الصلاة و في مقام التعليل لما دلت عليه الآية السابقة ان الصلاة لا تسقط بحال من الأحوال في الحرب و السفر و الخوف فهذا التعليل لا يلائم و لا يناسب بأصل تشريع الصلوات و تشريع وجوبها و لا بضربها على أوقاتها المعنية و لا لما رواه الجصاص عن ابن مسعود أن الصلاة فرض موقت كالحج مع قطع النظر عن فساد أصل الدعوى و ما استظهرناه من بيان مولانا الصادق (ع) أكثر سدادا و أحسن و للبيضاوي بيان آخر في بيان تعليل المذكور قال مَوْقُوتاً فرضا محدودا لأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال و هذا دليل على ان المراد بالذكر الصلاة و انها واجبة الأداء حال المسابقة و الاضطراب في المعركة و تعليل للأمر بالإتيان بها كيفما أمكن انتهى. و لا يخفى مناقضية صدر كلامه مع ذيله و ما ذكره في الذيل لعل هو المراد و قد اعترف به اضطرارا.
فتحصل من جميع ما ذكرنا ان الآية الكريمة في مقام التذكر إلى أهمية الصلاة و عظم موقعها و شرف محلها و خاصة على المؤمنين فإنهم أولى و أحق بهذا التذكر و فيها إشعار ان المؤمنين هم الذين يحافظون عليها و الخاشعون فيها ففي النهج قال (ع) تعاهدوا أمر الصلاة و حافظوا عليها و استكثروا منها و تقربوا بها فإنها كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً الى ان قال و شبهها رسول الله بالحمة تكون على باب الرجل فهو يغسل منها كل يوم خمس مرات فما عسى أن يبقى عليه من الدرن. الخطبة قال في كنز العرفان و في الآية أحكام الى أن قال ان الآية تدل على أن الصلاة على من يعقل و لا فرض على من لا يعقل إذ الإيمان هو التصديق فالمؤمنون هم المصدقون فالتصديق لا يصدر الا عن تصور و جزم و إذعان و ذلك غير متصور إلا في من له تعقل فلا يجب على الصبي و المجنون و المغمى عليه. و فيه ان المؤمنين ليسوا في الآية موضوعا للوجوب الشرعي للصلاة بل في مقام النصح و التذكر مع الاشعار بترفع شأنهم. ثم ان ما ذكره من الدليل أعم من المدعى فيشمل المستضعفين و البلهاء فإنهم لا يقدرون على تنظيم برهان و قياس و تأليف مقدمات يوجب حصول اليقين و الجزم لهم و قال أيضا ما ملخصه ان إيجاب الصلاة على المؤمنين لا يدل على أن الكفار ليسوا مكلفين بالفروع فلا ينافي الآية بثبوت الأحكام على الكفار أيضا بحسب الأدلة الأخرى.
قلت نعم لا ينافي بين ثبوت الأحكام على المؤمنين و على الكافرين أيضا طبق الأدلة الواردة في كل من الموردين لعدم التنافي بين مثبت و مثبت آخر و انما التنافي بين المثبت و النافي إلا انا قد قدمنا البحث في ذلك و انه لا دليل على شمول الأدلة للكافرين خطابا و انما يشملهم عقابا هذا أولا، و ثانيا ان الآية ليست في مقام تشريع الصلاة على المؤمنين و ليس للمؤمنين موضوعا لوجوب الصلاة كما شرحناه مفصلا و هذا الفرع كسابقه ساقط أصلا.
الآية الثانية قال تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ