البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٤ - * ذكر رفع عيسى (عليه السلام) الى السماء
أصحابه فجحد و قال ما أنا بصاحبه فتركوه. ثم أخذه آخرون فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى و أحزنه. فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها و دلهم عليه و كان شبه عليهم قبل ذلك فأخذوه و استوثقوا منه و ربطوه بالحبل و جعلوا يقودونه و يقولون أنت كنت تحيى الموتى و تنتهر الشيطان و تبرئ المجنون أ فلا تنجى نفسك من هذا الحبل و يبصقون عليه و يلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه اللَّه اليه و صلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا. ثم إن أمه و المرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها اللَّه من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب فجاءهما عيسى فقال على م تبكيان قالتا عليك فقال إني قد رفعني اللَّه اليه و لم يصبني إلا خير و ان هذا شيء شبه لهم فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا و كذا فلقوه الى ذلك المكان أحد عشر و فقد الّذي كان باعه و دل عليه اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا إنه ندم على ما صنع فاختنق و قتل نفسه فقال لو تاب لتاب اللَّه عليه* ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحيى فقال هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم و ليدعهم* و هذا اسناد غريب عجيب و هو أصح مما ذكره النصارى من أن المسيح جاء إلى مريم و هي جالسة تبكى عند جذعة فأراها مكان المسامير من جسده و أخبرها أن روحه رفعت و أن جسده صلب و هذا بهت و كذب و اختلاق و تحريف و تبديل و زيادة باطلة في الإنجيل على خلاف الحق و مقتضى النقل.
و حكى الحافظ بن عساكر من طريق يحيى بن حبيب فيما بلغه أن مريم سألت من بيت الملك بعد ما صلب المصلوب بسبعة أيام و هي تحسب أنه ابنها أن ينزل جسده فأجابهم الى ذلك و دفن هنالك فقالت مريم لأم يحيى أ لا تذهبين بنا نزور قبر المسيح فذهبتا فلما دنتا من القبر قالت مريم لأم يحيى أ لا تستترين فقالت و ممن أستتر فقالت من هذا الرجل الّذي هو عند القبر فقالت أم يحيى انى لا أرى أحدا فرجت مريم أن يكون جبريل و كانت قد بعد عهدها به فاستوقفت أم يحيى و ذهبت نحو القبر فلما دنت من القبر قال لها جبريل و عرفته يا مريم أين تريدين فقالت أزور قبر المسيح فأسلم عليه و أحدث عهدا به فقال يا مريم ان هذا ليس المسيح إن اللَّه قد رفع المسيح و طهره من الذين كفروا و لكن هذا الفتى الّذي القى شبهه عليه و صلب و قتل مكانه. و علامة ذلك أن أهله قد فقدوه فلا يدرون ما فعل به فهم يبكون عليه فإذا كان يوم كذا و كذا فأت غيضة كذا و كذا فإنك تلقين المسيح قال فرجعت الى أختها و صعد جبريل فأخبرتها عن جبرئيل و ما قال لها من أمر الغيضة. فلما كان ذلك اليوم ذهبت فوجدت عيسى في الغيضة فلما رآها أسرع اليها و أكب عليها فقبل رأسها و جعل يدعو لها كما كان يفعل و قال يا امه إن القوم لم يقتلوني و لكن اللَّه رفعني اليه و أذن لي في لقائك و الموت يأتيك قريبا فاصبرى و اذكري اللَّه كثيرا ثم صعد عيسى فلم تلقه إلا تلك المرة حتى ماتت. قال و بلغني أن مريم بقيت بعد