البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٩ - قصة سبا
حكاه ابن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير و
قال الامام احمد حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبد اللَّه بن دعلة سمعت عبد اللَّه بن العباس يقول إن رجلا سأل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن سبإ ما هو أرجل أم امرأة أم أرض قال بل هو رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة و بالشام منهم أربعة. فأما اليمانيون فمذحج و كندة و الأزد و الأشعريون و أنمار و حمير. و أما الشامية فلخم و جذام و عاملة و غسان
و قد ذكرنا في التفسير أن فروة بن مسيك الغطيفى هو السائل عن ذلك كما استقصينا طرق هذا الحديث و ألفاظه هناك و للَّه الحمد.
و المقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها و قد كان فيهم التبابعة بأرض اليمن واحدهم تبع و كان لملوكهم تيجان يلبسونها وقت الحكم كما كانت الأكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك و كانت العرب تسمى كل من ملك اليمن مع الشحر و حضر موت تبعا كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر و من ملك الفرس كسرى و من ملك مصر فرعون و من ملك الحبشة النجاشي و من ملك الهند بطليموس و قد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس و قد قدمنا قصتها مع سليمان (عليه السلام) و قد كانوا في غبطة عظيمة و أرزاق دارة و ثمار و زروع كثيرة و كانوا مع ذلك على الاستقامة و السداد و طريق الرشاد فلما بدلوا نعمة اللَّه كفرا أحلوا قومهم دار البوار.
قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أرسل اللَّه اليهم ثلاثة عشر نبيا و زعم السدي أنه أرسل إليهم اثنى عشر ألف نبي فاللَّه أعلم. و المقصود أنهم لما عدلوا عن الهدى إلى الضلال و سجدوا للشمس من دون اللَّه و كان ذلك في زمان بلقيس و قبلها أيضا و استمر ذلك فيهم حتى أرسل اللَّه عليهم سيل العرم كما قال تعالى فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ذكر غير واحد من علماء السلف و الخلف من المفسرين و غيرهم أن سد مأرب كان صنعته ان المياه تجرى من بين جبلين فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا حتى ارتفع الماء فحكم على اعالى الجبلين و غرسوا فيهما البساتين و الأشجار المثمرة الأنيقة و زرعوا الزروع الكثيرة و يقال كان أول من بناه سبأ بن يعرب و سلط اليه سبعين واديا يفد اليه و جعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء و مات و لم يكمل بناؤه فكملته حمير بعده و كان اتساعه فرسخا في فرسخ و كانوا في غبطة عظيمة و عيش رغيد و أيام طيبة حتى ذكر قتادة و غيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فتمتلى من الثمار ما يتساقط فيه من نضجه و كثرته و ذكروا أنه لم يكن في بلادهم شيء من البراغيث و لا الدواب المؤذية لصحة هوائهم و طيب فنائهم كما قال تعالى لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ و كما قال تعالى وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ