البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٠ - قصة سبا
فلما عبدوا غير اللَّه و بطروا نعمته و سألوا بعد تقارب ما بين قراهم و طيب ما بينها من البساتين و أمن الطرقات سألوا أن يباعد بين أسفارهم و أن يكون سفرهم في مشاق و تعب و طلبوا أن يبدلوا بالخير شرا كما سأل بنو إسرائيل بدل المن و السلوى البقول و القثاء و الفوم و العدس و البصل فسلبوا تلك النعمة العظيمة و الحسنة العميمة بتخريب البلاد و الشنات على وجوه العباد كما قال تعالى فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ قال غير واحد أرسل اللَّه على أصل السد الفار و هو الجرذ و يقال الخلد فلما فطنوا لذلك أرصدوا عندها السنانير فلم تغن شيئا إذ قد حم القدر و لم ينفع الحذر كلا لا وزر فلما نحكم في أصله الفساد سقط و انهار فسلك الماء القرار فقطعت تلك الجداول و الأنهار و انقطعت تلك الثمار و مادت تلك الزروع و الأشجار و تبدلوا بعدها برديء الأشجار و الأثمار كما قال العزيز الجبار (وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ) قال ابن عباس و مجاهد و غير واحد هو الأراك و ثمره البرير و أثل و هو الطرفاء. و قيل يشبهه و هو حطب لا ثمر له (وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) و ذلك لأنه لما كان يثمر النبق كان قليلا مع أنه ذو شوك كثير و ثمره بالنسبة اليه كما يقال في المثل لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى و لا سمين فينتقى و لهذا قال تعالى ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ أي إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا و كذب رسلنا و خالف أمرنا و انتهك محارمنا و قال تعالى فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ و ذلك أنهم لما هلكت أموالهم و خربت بلادهم احتاجوا أن يرتحلوا منها و ينتقلوا عنها فتفرقوا في غور البلاد و نجدها أيدي سبإ شذر مذر فنزلت طوائف منهم الحجاز و منهم خزاعة نزلوا ظاهر مكة و كان من أمرهم ما سنذكره و منهم المدينة المنورة اليوم فكانوا أول من سكنها ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو قينقاع و بنو قريظة و بنو النضير فخالفوا الأوس و الخزرج و أقاموا عندهم و كان من أمرهم ما سنذكره و نزلت طائفة أخرى منهم الشام و هم الذين تنصروا فيما بعد و هم غسان و عاملة و بهراء و لخم و جذام و تنوخ و تغلب و غيرهم و سنذكرهم عند ذكر فتوح الشام في زمن الشيخين رضى اللَّه عنهما قال محمد بن إسحاق حدثني أبو عبيدة قال قال الأعشى بن قيس بن ثعلبة و هو ميمون بن قيس.
و في ذاك للمؤتسى أسوة* * * و مأرم عفى عليها العرم
رخام بنته لهم حمير* * * إذا جاء مواره لم يرم
فأروى الزرع و أعنابها* * * على سعة ماءهم إذ قسم
فصاروا أيادي لا يقدرون* * * على شرب طفل إذا ما فطم
و قد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمي و لخم هو ابن عدي بن الحارث بن مرة بن أزد بن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن يشجب