البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٦ - ذكر صفة عيسى (عليه السلام) و شمائله و فضائله
فمن ثم عظمت النصارى الصليب و من هاهنا دخل دين النصرانية في الروم و في هذا نظر من وجوه.
أحدها ان يحيى بن زكريا نبي لا يقر على أن المصلوب عيسى فإنه معصوم يعلم ما وقع على جهة الحق.
الثاني أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلاثمائة سنة و ذلك في زمان قسطنطين بن قسطن باني المدينة المنسوبة اليه على ما سنذكره. الثالث أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثم القوه بخشبته جعلوا مكانه مطرحا للقمامة و النجاسة و جيف الميتات و القاذورات فلم يزل كذلك حتى كان في زمان قسطنطين المذكور فعمدت أمه هيلانة الحرانية الفندقانية فاستخرجته من هنالك معتقدة أنه المسيح و وجدوا الخشبة التي صلب عليها المصلوب فذكروا أنه ما مسها ذو عاهة الا عوفي فاللَّه أعلم أ كان هذا أم لا و هل كان هذا لان ذلك الرجل الّذي بذل نفسه كان رجلا صالحا أو كان هذا محنة و فتنة لأمة النصارى في ذلك اليوم حتى عظموا تلك الخشبة و غشوها بالذهب و اللآلئ و من ثم اتخذوا الصلبانات و تبركوا بشكلها و قبلوها. و أمرت أم الملك هيلانة فازيلت تلك القمامة و بنى مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة فهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها القمامة باعتبار ما كان عندها و يسمونها القيامة يعنون التي يقوم جسد المسيح منها. ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد و كناسته و قاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود فلم يزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس فكنس عنها القمامة بردائه و طهرها من الأخباث و الأنجاس و لم يضع المسجد وراءها و لكن أمامها حيث صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليلة الاسراء بالأنبياء و هو الأقصى.
ذكر صفة عيسى (عليه السلام) و شمائله و فضائله
قال اللَّه تعالى مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ قيل سمى المسيح لمسحه الأرض و هو سياحته فيها و فراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان لشدة تكذيب اليهود له و افترائهم عليه و على أمه (عليهما السلام). و قيل لانه كان ممسوح القدمين. و قال تعالى ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَ قَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فيه هدى و نور و قال تعالى وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ و الآيات في ذلك كثيرة جدا و قد تقدم ما ثبت في الصحيحين (ما من مولود إلا و الشيطان يطعن في خاصرته حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم و ابنها ذهب يطعن فطعن في الحجاب) و تقدم
حديث عمير بن هانئ عن جنادة عن عبادة عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال (من شهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله و أن عيسى عبد اللَّه و رسوله و كلمته التي ألقاها الى مريم و روح منه و الجنة حق و النار حق أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل) رواه البخاري
(و هذا لفظه و مسلم)