البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٥ - ذكر ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
النفخة الى فرجها فحملت من فورها كما تحمل المرأة عند جماع بعلها. و من قال انه نفخ في فمها أو ان الّذي كان يخاطبها هو الروح الّذي ولج فيها من فمها فقوله خلاف ما يفهم من سياقات هذه القصة في محالها من القرآن فان هذا السياق يدل على أن الّذي أرسل اليها ملك من الملائكة و هو جبريل (عليه السلام) و انه إنما نفخ فيها و لم يواجه الملك الفرج بل نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها فانسلكت فيه كما قال تعالى فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا يدل على أن النفخة ولجت فيه لا في فمها كما روى عن أبى بن كعب و لا في صدرها كما رواه السدي باسناده عن بعض الصحابة و لهذا قال تعالى فَحَمَلَتْهُ أي حملت ولدها فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا و ذلك لأن مريم (عليها السلام) لما حملت ضاقت به ذرعا و علمت أن كثيرا من الناس سيكون منهم كلام في حقها فذكر غير واحد من السلف منهم وهب بن منبه انها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عباد بنى إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار و كان ابن خالها فجعل يتعجب من ذلك عجبا شديدا و ذلك لما يعلم من ديانتها و نزاهتها و عبادتها و هو مع ذلك يراها حبلى و ليس لها زوج فعرض لها ذات يوم في الكلام فقال يا مريم هل يكون زرع من غير بذر قالت نعم فمن خلق الزرع الأول. ثم قال فهل يكون شجر من غير ماء و لا مطر قالت نعم فمن خلق الشجر الأول ثم قال فهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم ان اللَّه خلق آدم من غير ذكر و لا أنثى قال لها فأخبريني خبرك فقالت إن اللَّه بشرنى (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا وَ مِنَ الصَّالِحِينَ) و يروى مثل هذا عن زكريا (عليه السلام) أنه سألها فأجابته بمثل هذا و اللَّه أعلم* و ذكر السدي باسناده عن الصحابة أن مريم دخلت يوما على أختها فقالت لها أختها أشعرت أنى حبلى فقالت مريم و شعرت أيضا أنى حبلى فاعتنقتها و قالت لها أم يحيى إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك و ذلك قوله (مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) و معنى السجود هاهنا الخضوع و التعظيم كالسجود عند المواجهة للسلام كما كان في شرع من قبلنا و كما أمر اللَّه الملائكة بالسجود لآدم* و قال أبو القاسم قال مالك بلغني أن عيسى بن مريم و يحيى بن زكريا ابنا خالة و كان حملهما جميعا معا فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم انى أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك قال مالك أرى ذلك لتفضيل عيسى (عليه السلام) لأن اللَّه تعالى جعله يحيى الموتى و يبرئ الأكمه و الأبرص. رواه ابن أبى حاتم و روى عن مجاهد قال قالت مريم كنت إذا خلوت حدثني و كلمني و إذا كنت بين الناس سبح في بطني* ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء و يضعن لميقات حملهن و وضعهن إذ لو كان خلاف ذلك لذكر. و عن ابن عباس و عكرمة أنها حملت به ثمانية أشهر و عن ابن عباس ما هو إلا أن حملت به فوضعته قال بعضهم حملت به تسع ساعات و استأنسوا لذلك بقوله (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا