البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤١
تردى لمولود أنارت بنوره* * * جميع فجاج الأرض في الشرق و الغرب
و خرت له الأوثان طرا و أرعدت* * * قلوب ملوك الأرض طرا من الرعب
و نار جميع الفرس باخت و أظلمت* * * و قد بات شاه الفرس في أعظم الكرب
و صدت عن الكهان بالغيب جنها* * * فلا مخبر عنهم بحق و لا كذب
فيا لقصي ارجعوا عن ضلالكم* * * و هبوا إلى الإسلام و المنزل الرحب
قال فلما سمعوا ذلك خلصوا نجيا فقال بعضهم لبعض تصادقوا و ليكتم بعضكم على بعض، فقالوا أجل، فقال لهم ورقة بن نوفل تعلمون و اللَّه ما قومكم على دين و لقد أخطئوا الحجة و تركوا دين إبراهيم ما حجر تطيفون به لا يسمع و لا يبصر و لا ينفع و لا يضر يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين. قال فخرجوا عند ذلك يضربون في الأرض و يسألون عن الحنيفية دين إبراهيم (عليه السلام) فأما ورقة بن نوفل فتنصر و قرأ الكتب حتى علم علما و أما عثمان بن الحويرث فسار إلى قيصر فتنصر و حسنت منزلته عنده و أما زيد بن عمرو بن نفيل فأراد الخروج فحبس ثم إنه خرج بعد ذلك فضرب في الأرض حتى بلغ الرقة من أرض الجزيرة فلقى بها راهبا عالما فأخبره بالذي يطلب فقال له الراهب إنك لتطلب دينا ما تجد من يحملك عليه، و لكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلدك يبعث بدين الحنيفية فلما قال له ذلك رجع يريد مكة فغارت عليه لخم فقتلوه، و أما عبد اللَّه بن جحش فأقام بمكة حتى بعث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة، فلما صار بها تنصر و فارق الإسلام فكان بها حتى هلك هنالك نصرانيا. تقدم في ترجمة زيد بن عمر بن نفيل له شاهد.
و قد قال الخرائطى: حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح أبو بكر الوراق حدثنا عمرو بن عثمان حدثني أبى حدثنا عبد اللَّه بن عبد العزيز حدثني محمد بن عبد العزيز عن الزهري عن عبد الرحمن بن أنس السلمي عن العباس بن مرداس انه كان يعر في لقاح له نصف النهار إذ طلعت عليه نعامة بيضاء عليها راكب عليه ثياب بياض مثل اللبن فقال: يا عباس بن مرداس أ لم تر أن السماء قد كفت احراسها، و ان الحرب تجرعت أنفاسها، و ان الخيل وضعت أحلاسها، و ان الّذي نزل بالبر و التقوى، يوم الاثنين ليلة الثلاثاء، صاحب الناقة القصوى قال فرجعت مرعوبا قد راعني ما رأيت و سمعت حتى جئت وثنا لنا يدعى الضماد و كنا نعبده و نكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به و قبلته فإذا صائح من جوفه يقول:
قل للقبائل من سليم كلها* * * هلك الضماد و فاز أهل المسجد
هلك الضماد و كان يعبد مرة* * * قبل الصلاة مع النبي محمد
إن الّذي ورث النبوة و الهدى* * * بعد ابن مريم من قريش مهتد
قال فخرجت مرعوبا حتى أتيت قومي فقصصت عليهم القصة و أخبرتهم الخبر و خرجت في ثلاثمائة