البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٩ - قصة سيف بن ذي يزن الحميري و بشارته بالنبيّ الأمي
العرب و شعراؤها تهنئة و تمدحه و تذكر ما كان من حسن بلائه، و أتاه فيمن أتاه وفود قريش فيهم عبد المطلب بن هاشم، و أمية بن عبد شمس أبى عبد اللَّه [١] و عبد اللَّه بن جدعان، و خويلد بن أسد في أناس من وجوه قريش فقدموا عليه صنعاء، فإذا هو في رأس غمدان الّذي ذكره أمية بن أبى الصلت:
و اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا* * * في رأس غمدان دارا منك محلالا
فدخل عليه الآذن، فأخبره بمكانهم فاذن لهم، فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام فقال له ان كنت ممن يتكلم بين يدي فقد أذنا لك، فقال له عبد المطلب ان اللَّه قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا، شامخا باذخا، و أنبتك منبتا طابت أرومته، و عزت جرثومته، و ثبت أصله، و بسق فرعه في أكرم موطن و أطيب معدن فأنت- أبيت اللعن- ملك العرب و ربيعها الّذي تخصب به البلاد، و رأس العرب الّذي له تنقاد، و عمودها الّذي عليه العماد، و معقلها الّذي يلجأ اليه العباد. و سلفك خير سلف، و أنت لنا منهم خير خلف. فلن يخمد من هم سلفه و لن يهلك من أنت خلفه، و نحن أيها الملك أهل حرم اللَّه و سدنة بيته، أشخصنا إليك الّذي أبهجك من كشف الكرب الّذي قد فدحنا، وفد التهنئة لا وفد المرزئة. قال: و أيهم أنت أيها المتكلم؟ قال أنا عبد المطلب بن هاشم. قال ابن أختنا؟ قال نعم، قال ادن فأدناه، ثم أقبل عليه و على القوم فقال مرحبا و أهلا و ناقة و رحلا، و مستناخا سهلا، و ملكا ربحلا [٢] يعطى عطاء جزلا. قد سمع الملك مقالتكم و عرف قرابتكم، و قبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل و النهار، و لكم الكرامة ما أقمتم و الحباء إذا ظعنتم، ثم نهضوا الى دار الكرامة و الوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون اليه و لا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل الى عبد المطلب فادنى مجلسه و أخلاه ثم قال: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي ما لو يكون غيرك لم أبح به. و لكنى رأيتك معدنه فاطلعتك طليعه فليكن عندك مطويا حتى يأذن اللَّه فيه، فان اللَّه بالغ أمره، انى أجد في الكتاب المكنون و العلم المخزون الّذي اخترناه لأنفسنا و احتجناه دون غيرنا خبرا عظيما، و خطرا جسيما فيه شرف الحياة و فضيلة الوفاة للناس عامة و لرهطك كافة و لك خاصة. فقال عبد المطلب أيها الملك مثلك سر و بر، فما هو فداؤك أهل الوبر زمرا بعد زمر؟ قال إذا ولد بتهامة، غلام به علامة، بين كتفيه شامة كانت له الإمامة، و لكم به الزعامة الى يوم القيامة. قال عبد المطلب- أبيت اللعن- لقد أبت بخير ما آب به وافد، و لو لا هيبة الملك و إجلاله و إعظامه لسألته من بشارته إياي ما ازداد به سرورا. قال ابن ذي يزن هذا حينه الّذي يولد فيه أو قد ولد و اسمه محمد. يموت أبوه و أمه و يكفله جده و عمه. ولدناه مرارا و اللَّه باعثه جهارا، و جاعل له منا أنصارا يعز بهم أولياءه و يذل بهم أعداءه، و يضرب بهم الناس عن عرض، و يستبيح بهم كرائم الأرض، يكسر الأوثان و يخمد النيران، يعبد الرحمن و يدحر
[١] كلمة أبى عبد اللَّه. غير موجودة في الدلائل.
[٢] الرجل الكثير العطاء.