البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١١ - فصل
عمر بن قتادة الأنصاري عن محمود بن لبيد عن عبد اللَّه بن عباس. قال حدثني سلمان الفارسي- من فيه- قال كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية يقال لها جى و كان أبى دهقان قريته و كنت أحب خلق اللَّه اليه، فلم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، و اجتهدت في المجوسية، حتى كنت قطن النار التي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة قال و كانت لأبى ضيعة عظيمة، قال فشغل في بنيان له يوما فقال لي يا بنى إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب اليها فاطلعها، و أمرنى فيها ببعض ما يريد. ثم قال لي و لا تحتبس عنى فإنك إن احتبست عنى كنت أهم إلى من ضيعتي و شغلتني عن كل شيء من أمرى. قال فخرجت أريد ضيعته التي بعثني اليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها و هم يصلون. و كنت لا أدرى ما أمر الناس لحبس أبى إياي في بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم انظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتنى صلاتهم و رغبت في أمرهم.
و قلت هذا و اللَّه خير من الدين الّذي نحن عليه، فو اللَّه ما برحتهم حتى غربت الشمس و تركت ضيعة أبى فلم آتها. ثم قلت لهم أين أصل هذا الدين؟ قالوا بالشام، فرجعت إلى أبى و قد بعث في طلبى و شغلته عن أمره كله. فلما جئت قال أي بنى أين كنت أ لم أكن أعهد إليك ما عهدته؟ قال قلت يا أبة مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فو اللَّه ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بنى، ليس في ذلك الدين خير، دينك و دين آبائك خير منه. قال قلت كلا و اللَّه إنه لخير من ديننا. قال فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته. قال و بعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم. قال فقدم عليهم ركب من الشام فجاءوني النصارى فأخبروني بهم.
فقلت إذا قضوا حوائجهم و أرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنونى قال فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبرونى بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت من أفضل أهل هذا الدين علما؟ قالوا الأسقف في الكنيسة. قال فجئته فقلت له إني قد رغبت في هذا الدين و أحببت أن أكون معك و أخدمك في كنيستك و أتعلم منك فأصلى معك. قال ادخل فدخلت معه فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة و يرغبهم فيها، فإذا جمعوا له شيئا كنزه لنفسه و لم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب و ورق، قال و أبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع. ثم مات و اجتمعت له النصارى ليدفنوه. فقلت لهم إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة و يرغبكم فيها فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه و لم يعط المساكين منها شيئا. قال فقالوا لي و ما علمك بذلك؟ قال فقلت لهم انا أدلكم على كنزه، قالوا فدلنا. قال فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا و ورقا، فلما رأوها قالوا لا ندفنه أبدا قال فصلبوه و رجموه بالحجارة. و جاءوا برجل آخر فوضعوه مكانه. قال سلمان فما رأيت رجلا لا يصلى الخمس أرى أنه أفضل منه أزهد في الدنيا و لا أرغب في الاخرة و لا أدأب ليلا و نهارا. قال فأحببته حبا