البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٥ - فصل
فبوأنا المليك بذاك عزا* * * و عند اللَّه يلتمس الثواب
و قد قدمنا في فصل ما كان اللَّه يحوط به رسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من أقذار الجاهلية، أنه كان هو و العباس عمه ينقلان الحجارة، و أنه عليه الصلاة و السلام لما وضع إزاره تحت الحجارة على كتفه نهى عن خلع إزاره فأعاده إلى سيرته الاولى.
فصل
و ذكر ابن إسحاق ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحمس، و هو الشدة في الدين و الصلابة.
و ذلك لأنهم عظموا الحرم تعظيما زائدا بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة. و كانوا يقولون نحن أبناء الحرم و قطان بيت اللَّه. فكانوا لا يقفون بعرفات مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم (عليه السلام)، حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة. و كانوا لا يدخرون من اللبن أقطا و لا سمنا و لا يسلون شحما و هم حرم. و لا يدخلون بيتا من شعر و لا يستظلون ان استظلوا الا ببيت من أدم. و كانوا يمنعون الحجيج و العمار- ما داموا محرمين- أن يأكلوا إلا من طعام قريش، و لا يطوفوا الا في ثياب قريش، فان لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس و هم قريش و ما ولدوا و من دخل معهم من كنانة و خزاعة طاف عريانا و لو كانت امرأة و لهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها و تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله* * * و بعد هذا اليوم لا أحله
[١] فان تكرم أحد ممن يجد ثوب أحمسى فطاف في ثياب نفسه فعليه إذا فرغ من الطواف ان يلقيها فلا ينتفع بها بعد ذلك. و ليس له و لا لغيره أن يمسها. و كانت العرب تسمى تلك الثياب اللقى قال بعض الشعراء:
كفى حزنا كرى عليه كأنه* * * لقي بين أيدي الطائفين حريم
قال ابن إسحاق: فكانوا كذلك حتى بعث اللَّه محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنزل عليه القرآن ردا عليهم فيما ابتدعوه فقال (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) أي جمهور العرب من عرفات (وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) و قد قدمنا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه توفيقا من اللَّه له، و أنزل اللَّه عليه ردا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس و الطعام على الناس (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) الآية. و قال زياد البكائي عن ابن إسحاق: و لا أدرى أ كان ابتداعهم لذلك قبل الفيل أو بعده.
[١] و في المصرية و ابن هشام: و ما بدا منه فلا أحله.