البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٩ - ذكر شهوده عليه الصلاة و السلام حرب الفجار
عن عثمان بن أبى سليمان عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير. قال: لقد رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو على دين قومه، و هو يقف على بعير له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم، توفيقا من اللَّه عز و جل له.
قال البيهقي: معنى قوله على دين قومه ما كان بقي من إرث إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام)، و لم يشرك باللَّه قط (صلوات اللَّه و سلامه عليه) دائما.
قلت: و يفهم من قوله هذا أيضا انه كان يقف بعرفات قبل أن يوحى اليه. و هذا توفيق من اللَّه له.
و رواه الامام أحمد عن يعقوب عن محمد بن إسحاق به. و لفظه رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل ان ينزل عليه و إنه لواقف على بعير له مع الناس بعرفات حتى يدفع معهم توفيقا من اللَّه. و قال الامام احمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أضللت بعيرا لي بعرفة فذهبت اطلبه فإذا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) واقف فقلت إن هذا من الحمس [١] ما شأنه هاهنا؟ و أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة به.
ذكر شهوده عليه الصلاة و السلام حرب الفجار
قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ابن عشرين سنة، و انما سمى يوم الفجار، بما استحل فيه هذان الحيان- كنانة و قيس عيلان- من المحارم بينهم. و كان قائد قريش و كنانة حرب بن أمية بن عبد شمس. و كان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة. حتى إذا كان وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس.
و قال ابن هشام: فلما بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أربع عشرة سنة- أو خمس عشرة سنة- فيما حدثني به أبو عبيدة النحويّ عن أبى عمرو بن العلاء هاجت حرب الفجار بين قريش و من معها من كنانة و بين قيس عيلان. و كان الّذي هاجها ان عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن أجاز لطيمة- أي تجارة- للنعمان بن المنذر. فقال البراض بن قيس- أحد بنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة- أ تجيزها على كنانة؟ قال نعم و على الخلق. فخرج فيها عروة الرحال و خرج البراض يطلب غفلته. حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام، فلذلك سمى الفجار، و قال البراض في ذلك:
و داهية تهم الناس قبلي* * * شددت لها بنى بكر ضلوعي
هدمت بها بيوت بنى كلاب* * * و أرضعت الموالي بالضروع
[١] الحمس جمع أحمس. و هم قريش و من ولدت، و كنانة، و جديلة سموا حمسا، لانهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا. و الحماسة الشجاعة كانوا يقفون في المزدلفة، و يقولون: نحن أهل اللَّه فلا نخرج من الحرم