البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧ - قصة سليمان بن داود (عليهما السلام)
يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك و يردوه الى ما كان عليه ثم يتسلموا غنمهم فبلغ داود (عليه السلام) ذلك فحكم به و قريب من هذا ما ثبت
في الصحيحين من حديث أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الأخر فقالت الكبرى انما ذهب بابنك و قالت الصغرى بل انما ذهب بابنك فتحاكمتا الى داود فحكم به للكبرى فخرجتا على سليمان فقال ائتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك اللَّه هو ابنها فقضى به لها
و لعل كلا من الحكمين كان سائغا في شريعتهم و لكن ما قاله سليمان أرجح و لهذا أثنى اللَّه عليه بما ألهمه إياه و مدح بعد ذلك أباه فقال (وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنَّا فاعِلِينَ وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ).
ثم قال (وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً) أي و سخرنا لسليمان الريح عاصفة (تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ كُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ. وَ مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَ يَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَ كُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ).
و قال في سورة ص (فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ. وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ). لما ترك الخيل ابتغاء وجه اللَّه عوضه اللَّه منها الريح التي هي أسرع سيرا و أقوى و أعظم و لا كلفة عليه لها تجرى بأمره رخاء (حَيْثُ أَصابَ) أي حيث أراد من أي البلاد. كان له بساط مركب من أخشاب بحيث إنه يسمع جميع ما يحتاج اليه من الدور المبنية و القصور و الخيام و الأمتعة و الخيول و الجمال و الأثقال و الرجال من الانس و الجان و غير ذلك من الحيوانات و الطيور فإذا أراد سفرا أو مستنزها أو قتال ملك أو أعداء من أي بلاد اللَّه شاء فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على البساط أمر الريح فدخلت تحته فرفعته فإذا استقل بين السماء و الأرض أمر الرخاء فسارت به فان أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون فوضعته في أي مكان شاء بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس فتغدو به الريح فتضعه بإصطخر مسيرة شهر فيقيم هناك الى آخر النهار* ثم يروح من آخره فترده الى بيت المقدس كما قال تعالى وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.
قال الحسن البصري كان يغدو من دمشق فينزل بإصطخر فيتغدى بها و يذهب رائحا منها فيبيت بكابل و بين دمشق و بين إصطخر مسيرة شهر و بين إصطخر و كابل مسيرة شهر قلت قد ذكر المتكلمون على العمران و البلدان أن إصطخر بنتها الجان لسليمان و كان فيها قرار مملكة الترك قديما و كذلك غيرها من بلدان شتى كتدمر و بيت المقدس و باب جبرون و باب البريد اللذان بدمشق على أحد الأقوال.