البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤ - قصة سليمان بن داود (عليهما السلام)
الناس و قيل قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك. و قيل قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به الى أبعد غاية منك ثم أغمضته و هذا أقرب ما قيل. (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ) أي فلما رأى عرش بلقيس مستقرا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن الى بيت المقدس في طرفة عين (قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) أي هذا من فضل اللَّه على و فضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه (وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) أي انما يعود نفع ذلك عليه (وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) أي غنى عن شكر الشاكرين و لا يتضرر بكفر الكافرين ثم أمر سليمان (عليه السلام) أن يغير حلى هذا العرش و ينكر لها ليختبر فهمها و عقلها و لهذا قال (نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ) و هذا من فطنتها و غزارة فهمها لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن و لم تكن تعلم أن أحدا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب قال اللَّه تعالى اخبارا عن سليمان و قومه (وَ أُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَ كُنَّا مُسْلِمِينَ وَ صَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ) أي و منعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي و قومها من دون اللَّه أتباعا لدين آبائهم و أسلافهم لا لدليل قادهم الى ذلك و لا حدأهم على ذلك و كان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج و عمل في ممره ماء و جعل عليه سقفا من زجاج و جعل فيه من السمك و غيرها من دواب الماء و أمرت بدخول الصرح و سليمان جالس على سريره فيه (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) و قد قيل إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان و أن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها و خشوا أن يتزوجها لأن أمها من الجان فتتسلط عليهم معه. و ذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة و هذا ضعيف و في الأول أيضا نظر و اللَّه أعلم الا أن سليمان قيل إنه لما أراد إزالته حين عزم على تزوجها سأل الأنس عن زواله فذكروا له الموسى فامتنعت من ذلك فسأل الجان فصنعوا له النورة و وضعوا له الحمام فكان أول من دخل الحمام فلما وجد مسه قال أوه من عذاب أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه. رواه الطبراني مرفوعا و فيه نظر* و قد ذكر الثعلبي و غيره أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن و ردها اليه و كان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط و أمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن غمدان و سالحين و بيتون فاللَّه أعلم. و قد روى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أن سليمان لم يتزوجها بل زوجها بملك همدان و أقرها على ملك اليمن و سخر زوبعة ملك جن اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن و الأول أشهر و أظهر و اللَّه أعلم.