البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣ - قصة سليمان بن داود (عليهما السلام)
و جنوده عليهم قادرون و لهذا (لما جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) هذا و قد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة كما ذكره المفسرون ثم قال لرسولها اليه و وافدها الّذي قدم عليه و الناس حاضرون يسمعون (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَ هُمْ صاغِرُونَ)يقول ارجع بهديتك التي قدمت بها الى من قدمن بها فان عندي مما قد أنعم اللَّه عليّ و أسداه الىّ من الأموال و التحف و الرجال ما هو أضعاف هذا و خير من هذا الّذي أنتم تفرحون به و تفخرون على أبناء جنسكم بسببه (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها) أي فلأبعثن اليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم و لا نزالهم و لا ممانعتهم و لا قتالهم و لأخرجنهم من بلدهم و حوزتهم و معاملتهم و دولتهم أذلة (وَ هُمْ صاغِرُونَ) عليهم الصغار و العار و الدمار فلما بلغهم ذلك عن نبي اللَّه لم يكن لهم بد من السمع و الطاعة فبادروا الى اجابته في تلك الساعة و أقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين فلما سمع بقدومهم عليه و وفودهم اليه قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه اللَّه عنه في القرآن. (قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَ أُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَ كُنَّا مُسْلِمِينَ وَ صَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ. لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ).
لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس و هو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه (قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ) يعنى قبل أن ينقضي مجلس حكمك و كان فيما يقال من أول النهار الى قريب الزوال يتصدى لمهمات بنى إسرائيل و ما لهم من الاشغال (وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) أي و انى لذو قدرة على احضارى إليك و امانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك (قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ) المشهور أنه آصف بن برخيا و هو ابن خالة سليمان. و قيل هو رجل من مؤمني الجان كان فيما يقال يحفظ الاسم الأعظم. و قيل رجل من بنى إسرائيل من علمائهم و قيل إنه سليمان و هذا غريب جدا. و ضعفه السهيليّ بانه لا يصح في سياق الكلام قال و قد قيل فيه قول رابع و هو جبريل (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) قيل معناه قبل أن تبعث رسولا الى أقصى ما ينتهى اليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك. و قيل قبل أن يصل إليك أبعد من تراه من