البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٨ - خبر قصي بن كلاب و ما كان من أمره في ارتجاعه ولاية البيت الى قريش و انتزاعه ذلك من خزاعة و اجتماع قريش الى الحرم الّذي جعله اللَّه أمنا للعباد بعد تفرقها في البلاد و تمزقها في الجبال و المهاد
قال ابن إسحاق: و ذلك أن قصيا فرضه عليهم فقال لهم يا معشر قريش إنكم جيران اللَّه و أهل مكة و أهل الحرم و أن الحجاج ضيف اللَّه و زوار بيته و هم أحق بالضيافة فاجعلوا لهم طعاما و شرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك في كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه اليه فيصنعه طعاما للناس أيام منى فجرى ذلك من أمره في الجاهلية حتى قام الإسلام ثم جرى في الإسلام الى يومك هذا فهو الطعام الّذي يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضي الحج.
قلت: ثم انقطع هذا بعد ابن إسحاق ثم أمر بإخراج طائفة من بيت المال فيصرف في حمل زاد و ماء لأبناء السبيل القاصدين الى الحج و هذا صنيع حسن من وجوه يطول ذكرها و لكن الواجب أن يكون ذلك من خالص بيت المال من أحل ما فيه و الاولى أن يكون من جوالى الذمة لانهم لا يحجون البيت العتيق و قد جاء في الحديث* من استطاع الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا.
و قال قائلهم في مدح قصي و شرفه في قومه:
قصي لعمري كان يدعى مجمعا* * * به جمع اللَّه القبائل من فهر
هموا ملئوا البطحاء مجدا و سؤددا* * * و هم طردوا عنا غواة بنى بكر
قال ابن إسحاق: و لما فرغ قصي من حربه انصرف أخوه رزاح بن ربيعة الى بلاده بمن معه و اخوته من أبيه الثلاثة و هم حن و محمود و جلهمة. قال رزاح في اجابته قصيا:
و لما أتى من قصي رسول* * * فقال الرسول أجيبوا الخليلا
نهضنا اليه نقود الجياد* * * و نطرح عنا الملول الثقيلا
نسير بها الليل حتى الصبا* * * ح و نكمى النهار لئلا نزولا
فهنّ سراع كورد القطا* * * يجبن بنا من قصي رسولا
جمعنا من السر من اشمذين [١]* * * و من كل حي جمعنا قبيلا
فيا لك حلبة ما ليلة* * * تزيد على الالف سيبا رسيلا
فلما مررن على عسجر* * * و أسهلن من مستناخ سبيلا
و جاوزن بالركن من ورقان* * * و جاوزن بالعرج حيا حلولا
مررن على الحلي ما ذقنه* * * و عالجن من مر ليلا طويلا
ندنى من العوذ أفلاءها* * * ارادة أن يسترقن الصهيلا
فلما انتهينا الى مكة* * * أبحنا الرجال قبيلا قبيلا
نعاورهم ثم حد السيوف* * * و في كل أوب خلسنا العقولا
[١] في السهيليّ الاشمذان جبلان. و يقال اسم قبيلتين.