البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٧ - خبر قصي بن كلاب و ما كان من أمره في ارتجاعه ولاية البيت الى قريش و انتزاعه ذلك من خزاعة و اجتماع قريش الى الحرم الّذي جعله اللَّه أمنا للعباد بعد تفرقها في البلاد و تمزقها في الجبال و المهاد
فأي الناس فاتونا بوتر* * * و أي الناس لم نعلك لجاما
أ لسنا الناسئين على معد* * * شهور الحل نجعلها حراما
و كان قصي في قومه سيدا رئيسا مطاعا معظما و المقصود أنه جمع قريشا من متفرقات مواضعهم من جزيرة العرب و استعان بمن أطاعه من أحياء العرب على حرب خزاعة و اجلائهم عن البيت و تسليمه الى قصي فكان بينهم قتال كثيرة و دماء غزيرة ثم تداعوا الى التحكيم فتحاكموا الى يعمر بن عوف بن كعب ابن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فحكم بان قصيا أولى بالبيت من خزاعة و ان كل دم أصابه قصي من خزاعة و بنى بكر موضوع بشدخه تحت قدميه و أن ما أصابته خزاعة و بنو بكر من قريش و كنانة و قضاعة ففيه الدية مؤداة و أن يخلى بين قصي و بين مكة و الكعبة فسمى يعمر يومئذ الشداخ.
قال ابن إسحاق: فولى قصي البيت و أمر مكة و جمع قومه من منازلهم الى مكة و تملك على قومه و أهل مكة فملكوه الا أنه أقر العرب على ما كانوا عليه لانه يرى ذلك دينا في نفسه لا ينبغي تغييره فأقر آل صفوان و عدوان و النسأة و مرة بن عوف على ما كانوا عليه حتى جاء الإسلام فهدم اللَّه به ذلك كله قال فكان قصي أول بنى كعب أصاب ملكا أطاع له به قومه و كانت اليه الحجابة و السقاية و الرفادة و الندوة و اللواء فحاز شرف مكة كله و قطع مكة رباعا بين قومه فانزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة.
قلت: فرجع الحق الى نصابه، ورد شارد العدل بعد إيابه، و استقرت بقريش الدار، و قضت من خزاعة المراد و الأوطار، و تسلمت بيتهم العتيق القديم لكن بما أحدثت خزاعة من عبادة الأوثان و نصبها إياها حول الكعبة و نحرهم لها و تضرعهم عندها و استنصارهم بها و طلبهم الرزق منها و أنزل قصي قبائل قريش أباطح مكة و أنزل طائفة منهم ظواهرها فكان يقال قريش البطاح و قريش الظواهر فكانت لقصي بن كلاب جميع الرئاسة من حجابة البيت و سدانته و اللواء و بنى دارا لازاحة الظلمات و فصل الخصومات سماها دار الندوة إذا أعضلت قضية اجتمع الرؤساء من كل قبيلة فاشتوروا فيها و فصلوها و لا يعقد عقد لواء و لا عقد نكاح الا بها و لا تبلغ جارية أن تدرع فتدرع الا بها و كان باب هذه الدار الى المسجد الحرام ثم صارت هذه الدار فيما بعد الى حكيم بن حزام بعد بنى عبد الدار فباعها في زمن معاوية بمائة ألف درهم فلامه على بيعها معاوية، و قال بعت شرف قومك بمائة ألف؟ فقال انما الشرف اليوم بالتقوى و اللَّه لقد ابتعتها في الجاهلية بزق خمر و ها أنا قد بعتها بمائة ألف و أشهدكم أن ثمنها صدقة في سبيل اللَّه فأينا المغبون ذكره الدارقطنيّ في أسماء رجال الموطأ و كانت اليه سقاية الحجيج فلا يشربون الا من ماء حياضه و كانت زمزم إذ ذاك مطموسة من زمن جرهم قد تناسوا أمرها من تقادم عهدها و لا يهتدون الى موضعها قال الواقدي: و كان قصي أول من أحدث و قيد النار بالمزدلفة ليهتدى اليها من يأتى من عرفات و الرفادة و هي إطعام الحجيج أيام الموسم الى أن يخرجوا راجعين الى بلادهم.